• الموقع : مركز العترة الطاهرة للدراسات والبحوث .
        • القسم الرئيسي : العقائد والتاريخ .
              • القسم الفرعي : شبهات وردود .
                    • الموضوع : لماذا قتل أبو بكر الصحابيَ الجليلَ مالكَ بن نويرة رضي الله عنه؟ .

لماذا قتل أبو بكر الصحابيَ الجليلَ مالكَ بن نويرة رضي الله عنه؟

 

الموضوع: لماذا قتل أبو بكر الصحابيَ الجليلَ مالكَ بن نويرة رضي الله عنه؟.
من كتاب مؤتمر علماء بغداد لآية الله الشيخ محمّد جميل حمّود:2/329 ـ 334

بسمه تعالى

سؤال:هل صحيح ما يقول المخالفون بأنَّ أبا بكر قتل مالك بن نويرة لأنه إرتدَّ عن الإسلام؟


والجواب


بسمه تعالى


 قد ذكرنا في كتابنا "أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد"الجزء الثاني منه العلة أو السبب الذي دعا أبو بكر بن أبي قحافة لتسليط خالد بن الوليد على الصحابي الجليل مالك بن نويرة، ونعيد هنا بإختصار بأنَّ السبب في ذلك هو إمتناع مالك بن نويرة عن دفع الزكاة لأبي بكر لكونه إغتصب الخلافة من أمير المؤمنين عليّ واعتدى على سيِّدة النساء الزهراء الحوراء صلوات ربي عليهما،فما كان من أبي بكر سوى أن أوعز إليه خالدَ بن الوليد الذي لولا غدره لما أمكنه النيل من مالك وذلك لسببين:أحدهما جبن خالد،وثانيهما شجاعة وقوة مالك،لذا إرتأى خالدٌ حيلةً لكي يتمكن من مالك وقومه فاحتال وكذب على مالك وقومه وحلف لهم بالله تعالى بأنه لا يقصد بهم سوءاً مدَّعياً بأنه لم يأتِ لمحاربتهم بل أتى ضيفاً عليهم ليلةً واحدة باعتباره قائد سرية تجول في البراري والقفار،فطمأن مالك لما حلف خالد بالله العظيم فوضع هو وقومه السلاح وصار وقت الصلاة فوقف مالك وقومه للصلاة فهجم عليهم خالد وجماعته وفي طليعتهم معاونه الشبق ضرار بن الأزور لعنه الله وكتَّفوا مالكاً وقومه ثم قتلهم المجرم خالد عن آخرهم ثم طمع خالد عليه اللعنة بزوجة مالك بسبب جمالها وزنى بها في نفس تلك الليلة كما أن جماعته زنوا بتلكم الحرائر الطاهرات... وجعل رأس مالك ورؤوس قومه أثافي للقِدر وطبخ طعام الزنا وأكل هو وجماعته،ولما رجع خالد إلى المدينة أراد عمر بن الخطاب أن يقتص منه لأجل ما ارتكبه بحق مالك وما فعله بزوجة مالك ،منعه أبو بكر عن ذلك وقال كلمته المشهورة[تأوَّل خالد فأخطأ ولا أشيم سيفاً سلَّه الله على الكافرين]...ثمَّ سار على درب أبي بكر مؤولين لخالد فعلته كلٌّ حسب قدرته على ذلك فابتدعوا قصة الإرتداد ،ولكنَّ ثلةً من علماء العامة أنصفوا مالكَ،ولعلَّ مردُّ ذلك رفعة مقام مالك وزوجته المهضومة والمغصوبة الفرج،فأراد الربُّ المتعال أن يفضح ذاك الزنديق الذي لم تسلم أيضاً منه سيِّدة النساء الحوراء فاطمة عليها السلام حينما هجم على دارها مع عمر بن الخطاب وتناوبا على ضربها،كما لم يسلم منه رسول الله في معركة أُحد وغيرها من الموارد التي كان إبن بجدتها خالد بن الوليد لعنه الله تعالى ،ومن هؤلاء المنصفين إبن الأثير الجزري في كتابه "أُسد الغابة/ترجمة مالك" قال[مالك بن نويرة بن حمزة بن شدّاد بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع التميمي اليربوعي، أخو متمم بن نويرة،قدم على النبيّ‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وأسلم واستعمله رسول اللَّه على بعض صدقات بني تميم، فلمّا توفى النبيّ وارتدت العرب، وظهرت سجاح وادّعت النبوة، صالحها إلاّ أنه لم تظهر عنده رِدة، وأقام بالبطاح، فلمّا فرغ خالد من بني أسد وغطفان، سار إلى مالك وقدم البطاح، فلم يجد به أحداً، كان مالك قد فرّقهم ونهاهم عن الاجتماع، فلمّا قدم خالد البطاح بث سراياه، فأُتي بمالك بن نويرة ونفر من قومه، فاختلفت السرية فيهم، وكان فيهم أبو قتادة، وكان فيمن شهد أنهم أذّنوا وأقاموا وصلّوا، فحبسهم في ليلة باردة، وأمر خالد فنادى: ادفئوا أسراكم، وهي في لغة كنانة القتل، فقتلوهم، فسمع خالد الواعية فخرج وقد قتلوا، فتزوج خالد امرأته، فقال عمر لأبي بكر: سيف خالد فيه رهق! وأكثر عليه، فقال أبو بكر: تأوّل فأخطأ، ولا أشيم سيفاً سلّه اللَّه على المشركين، وودى مالكاً، وقدم خالد على أبي بكر، فقال له عمر: يا عدوّ اللَّه، قتلت امرأً مسلماً، ثم نزوت على امرأته لأرجمنّك...]
ثم قال الجزري:
"فهذا جميعه ذكره الطبري وغيره من الأئمة، ويدل على أنه لم يرتد،.. وقد اختُلِفَ في ردته، وعمر يقول لخالد: "قتلت امرأً مسلماً، وأبو قتادة يشهد أنهم أذّنوا وصلوا، وأبو بكر يردّ السبي ويعطي دية مالك من بيت المال، فهذا جميعه يدل على أنه مسلم ،ووصف متمم بن نويرة أخاه مالكاً فقال:كان يركب الفرس الحرون ويقود الجمل الثفال ـــ إشارة إلى قوته ـــ وهو بين المزادتين النضوحتين في الليلة القرَّة ... ثم ختم إبن الأثير كلامه مترضياً على مالك بقوله"رحمه الله ورضي الله عنه".
وقال الطبري: ".. وألحّ عليه عمر في خالد أن يعزله وقال أن في سيفه رهقاً فقال: لا يا عمر لم أكن لأشيم سيفاً سله اللَّه على الكافرين.
وعن عثمان بن سويد قال: كان مالك بن نويرة من أكثر الناس شعراً وإنَّ أهل العسكر أثفوا برؤوسهم القدور، فما منهم رأس إلاّ وصلت النار إلى بشرته ما خلا مالكاً فإن القدر نضجت وما نضج رأسه من كثرة شعره.. فلما بلغ قتلهم عمر بن الخطّاب تكلّم فيه عند أبي بكر فأكثر وقال: عدو اللَّه عدا على امرى‏ء مسلم فقتله ثم نزا على امرأته وأقبل خالد قافلاً حتى دخل المسجد وعليه قباء عليه صدأ الحديد معتجراً بعمامة له قد غرز في عمامته أسهماً، فلمّا أن دخل المسجد قام إليه عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحطمها ثم قال: أرِئَاء قتلت امرءاً مسلماً ثم نزوت على امرأته واللَّهِ لأرجمنّك بأحجارك..".
لنا إيرادات على بعض ما تقدّم:
(أولاً)  ما رواه الطبري من أن القدر نضج وما نضح رأس مالك من كثرة شعره، أظنه مزحة لا يصدّقها عاقل، إذ كيف تعمل النار بالقدر ولا تعمل برأسه من كثرة شعره، وهل كان شعره من خشب الساج أو الأرز حيث لا تعمل به النار سريعاً؟ إن عدم نضج رأسه بالنار إنما هو لإيمانه باللَّه تعالى ورسوله ووليّه عليهما السلام، حيث حرّم اللَّه تعالى جسده على النار، ومن كان مع اللَّه عزَّ ذكره، كان اللَّه تعالى معه، فأكرم مثواه، وهذه شهادة من اللَّه العزيز الحكيم لمالك‏بن نويرة بأنه كان مؤمناً تقيّاً وليس مشركاً كما ادّعى مبغضوه.
(ثانياً) إذ لو كان ما قاله أبو بكر صحيحاً من أن خالداً تأوّل فأخطأ بقتله مالك، فلماذا نزا على زوجة الشهيد مالك، وهل أن خالداً تأوّل بها أيضاً فأخطأ؟
ولو كان خَطَؤه مغفوراً لما أكدّ عمر على الاقتصاص منه، إذ لا يخفى أن مَنْ أخطأَ في تشخيص حكم لا يُقام عليه الحدّ، لأن الخطأ شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات، وعليه فإن ما فعله خالدٌ بمالك وأصحابه وزناه بزوجته جريمة مع سابق الإصرار عليها، وهو يستحق عليها القتل بلا إشكال في شريعة الإسلام، ولكنّ السياسة _ وما أدراك ما السياسة _ لا تُبقي ولا تذر شيئاً من أحكام الدين.
(ثالثاً) هل مِنَ الإسلام في شي‏ء مَنْ يجعل رأس مالك وأصحابه (الذين أذّنوا وأقاموا وصلّوا) أثافي للقدور؟ ما هذه القسوة والفظاظة والعنف والتزحزح عن طقوس الإسلام، وإحراق رؤوس أمّة مسلمة، وجعلها أثفيةً للقدور؟!! فويل للقاسية قلوبهم، فويل للذين ظلموا من عذاب يوم اليم.
ما خالد وما خطره بعدما اتخذ إلهه هواه، وسوّلت له نفسه، وأضلّته شهوته، وأسكره شبقه؟ فهتك حرمات اللَّه، وشوّه سمعة الإسلام المقدّس، ونزى على زوجه مالك قتيل غيّه في ليلته، إنه كان فاحشةً ومقتاً وساء سبيلاً، ولم يكن قتل الرجل إلاّ لذلك السفاح، وكان أمراً مشهوداً وسرّاً غير مستسر، وكان يعلمه نفس مالك ويخبر زوجته بذلك قبل وقوع الواقعة بقوله لها: أقتلتني، فقتل الرجل مظلوماً غيرةً ومحاماةً على ناموسه، وفي المتواتر من قتل دون أهله فهو شهيد.
والعذر المفتعل من منع مالك الزكاة لا يبرّىّ خالداً من تلكم الجنايات، أيصدّق جحد الرجل فرض الزكاة ومكابرته عليها وهو مؤمن باللَّه وكتابه ورسوله ومصدّق بما جاء به نبيه الأقدس، يقيم الصلاة ويأتي بالفرائض بأذانها وإقامتها، وينادي بأعلى صوته: نحن المسلمون، وقد استعمله النبيُّ الأعظم على الصدقات ردحاً من الزمن؟ لاها اللَّه. أيسلب امتناع الرجل المسلم عن أداء الزكاة حرمة الإسلام عن أهله وماله وذويه ويجعلهم أعدال أولئك الكفرة الفجرة الذين حقّ على النبيّ الطاهر شنُّ الغارة عليهم؟ أيجوز أن يحكم على أولئك الأطهار بالسبي والقتل الذريع والإغارة على ما يملكون، والنزو على تلكم الحرائر المأسورات؟
إن تسليط الخليفة المزعوم أبو بكر أمثال خالد وضرار بن الأزور شارب الخمور وصاحب الفجور على الأنفس والدماء، وعلى الأعراض، وعهده إلى جيوشه في حرق أهل الردّة وقد نهت السنّة الشريفة عنه.
هل يرتاب أحدٌ في أن سيفاً سلّه المولى سبحانه لا يكون فيه قطُّ رهقٌ ولا شغب، ولا تُسفك به دماءٌ محرّمة، ولا تُهتك به حرمات اللَّه، ولا يُرهف لنيل الشهوات، ولا يُنضى للشبق، ولا يُفتك به ناموس الإسلام؟ فما خالدٌ وما خطره حتى يهبه الخليفة تلك الفضيلة الرابية ويراه سيفاً سلّه اللَّه على أعدائه، وهو عدو اللَّه بنص من الخليفة الثاني، أليست هذه كلها تحكّماً وسرفاً في الكلام، وزوراً في القول، واتخاذ الفضائل في دين اللَّه مهزأة ومجهلة؟
وليست هذه بأوّل قارورة كسرت في الإسلام بيد خالد، وقد صدرت منه لدة هذه الفحشاء المنكرة على عهد رسول اللَّه، وتبرّأ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) من صنيعه، قال ابن إسحاق: بعث رسول اللَّه فيما حول مكة السرايا تدعو إلى اللَّه عزّ وجلّ، ولم يأمرهم بقتال، وكان ممّن بعث خالدبن الوليد، وأمره أن يسير بأسفل تهامة داعياً، ولم يبعثه مقاتلاً، ومعه قبائل من العرب فوطئوا بني جذيمة ابن عامر، فلمّا رآه القوم أخذوا السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا.
قال: حدثني بعض أصحابنا من أهل العلم من بني جذيمة قال: لمّا أمرنا خالد أن نضع السلاح، قال رجلٌ منّا يقال له جحدم: ويلكم يا بني جذيمة إنه خالد، واللَّه ما بعد وضع السلاح إلاّ الأسار، وما بعد الأسار إلا ضرب الأعناق، واللَّه لا أضع سلاحي أبداً، قال: فأخذه رجالٌ من قومه فقالوا: يا جحدم! أتريد أن تسفك دمائنا إن الناس قد أسلموا ووضعوا السلاح، ووضعت الحرب، وأمن الناس؟ فلم يزالوا به حتّى نزعوا سلاحه، ووضع القوم السلاح لقول خالد، فلمّا وضعوا السلاح أمر بهم خالد عند ذلك فكُتّفوا ثم عرضهم على السيف، فقتل من قتل منهم، فلمّا انتهى الخبر إلى رسول اللَّه رفع يديه إلى السماء ثم قال: اللّهم إني أبرأ إليك مما صنع خالدبن الوليد.
وقد كان بين خالد وعبد الرحمن بن عوف كلام في ذلك، فقال له عبد الرحمن ابن عوف: عملت بأمر الجاهلية في الإسلام.
فهذا الرّهق والسرف في سيف خالد على عهد أبي بكر من بقايا تلك النزعات الجاهلية، وهذه سيرته من أوّل يومه، فأنّى لنا أن نعدّه سيفاً من سيوف اللَّه، وقد تبرّأ منه نبي الإسلام غير مرة، مستقبل القبلة رافعاً يديه، وأبو بكر ينظر إليه من كثب.﴿ وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين﴾والحمد لله ربِّ العالمين وسلامٌ على المرسلين محمد وآله الطاهرين،والسلام عليكم.


  • المصدر : http://www.aletra.org/subject.php?id=1
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2010 / 02 / 25
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 10 / 16