• الموقع : مركز العترة الطاهرة للدراسات والبحوث .
        • القسم الرئيسي : الفقه .
              • القسم الفرعي : إستفتاءات وأجوبة .
                    • الموضوع : دم المعصوم عليه السلام طاهر .

دم المعصوم عليه السلام طاهر

الإسم : ******

النص:

بسم الله الرحمن الرحيم

سماحة المرجع الديني الشيخ محمد جميل حمود العاملي دام ظله الوارف

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

هل دم الإمام المعصوم عليه السلام أو النبي الأعظم صلى الله عليه وآله يُعتبر طاهراً أو لا؟ وهل هناك فرق في طهارة دمهم عليهم السلام قبل استشهادهم أو بعد استشهادهم؟ 

أفيدونا مأجورين أدام الله ظلكم على المسلمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


الموضوع الفقهي: دم المعصوم عليه السلام طاهر 

بسم الله الرَّحمان الرَّحيم

  الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على سادة خلقه وقادة رسله محمد المصطفى وأمير المؤمنين عليّ المرتضى وآلهما الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين..وبعد:

  إلى جناب الدكتور الفاضل ....دامت تأييداته 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 جواباً على سؤالكم الكريم حول دم المعصوم عليه السلام هل هو طاهر أم نجس ؟ نقول:

   الظاهر لنا من الأدلة القطعية أن دم المعصوم عليه السلام طاهر، سواء كان الدم هو لرسول الله أو لأمير المؤمنين علي (صلى الله عليهما وآلهما) أو للصديقة الكبرى سيّدة نساء العالمين مولاتنا فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) وبقية أولادهما الطاهرين الذين ثبتت لهم العصمة من الكتاب الكريم والسنَّة الطاهرة؛ فالحكم بطهارة الدم يدور مدار العصمة، فحيثما كانت العصمة، كانت الطاهرة تابعة لها؛ والعصمة تدور مدار الأفراد الذين لم يعصوا الله تعالى طرفة عين خلال مسيرة حياتهم إلى يوم مماتهم؛ ووراء المعصية إبليس لعنه الله تعالى المحرّك الرئيسي للمعاصي والذنوب، وهو لا يتسلط إلا على من كانت لديه القابلية للمعصية والخطيئة؛ ونجاسة الدم أثر وضعيٌّ مترتب على تسلط إبليس على غير المعصوم حتى لو تاب غيرُ المعصوم من ذنوبه، فإن الأثر الوضعي للنجاسة يبقى ساريَ المفعول، فإن الدم قبل ارتكاب أول معصية يختلف بطبيعته بعد المعصية؛ ولا يعني ذلك أن دم الطفل طاهر باعتبار عدم تلبسه بالمعصية، بل يبقى على النجاسة لفقدانه شرط العصمة الذاتية التي يتصف بها الأولياء والأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)، وذلك لأن المدار في طهارة الدم إنما هو على المعصوم بالعصمة الذاتية ولا يشمل المعصوم بالعصمة العرضية باعتبار أنه مضت على حياته فترة من العصيان لله تعالى، فلا يستحق التطهير المطلق من أثر النجاسة، وكأن ذلك من باب العقاب الوضعي بسبب ما مضى منه من ذنوب وخطايا فتحت الطريق لتقبل جريان إبليس في دم ذوي الخطايا والذنوب، ويبقى أثر هذا الجريان في الدم حتى بعد التوبة والإنابة والدخول في حرم ولاية أهل البيت عليهم السلام والبراءة من أعدائهم.

   والحاصل: لقد دلَّ الكتاب الكريم على أن النبيَّ الأعظم وأهل بيته الأطهار (سلام الله عليهم) طاهرون مطهرون بالطهارة المعنوية والمادية معاً؛ وهناك صنفان من الآيات الدالة على طهارة دمائهم الشريفة، وهي ما يلي:

    (الصنف الأول): الآيات الدالة على أن إبليس لا سلطة له على المخلَصين (بفتح اللام) من عباده الصالحين وهم الأولياء المقربين والأنبياء والأوصياء عليهم السلام؛ وهؤلاء قد أخلصوا نفوسهم وعقولهم وأرواحهم وأجسامهم لله تعالى فلم يتركوا مجالاً لإبليس يتلاعب بمشاعرهم ومداركهم وقلوبهم وعقولهم وأجسامهم طيلة حياتهم ومن دون انقطاعٍ أو تراخٍ..وقد توزعت الآيات بهذا الشأن في عدة سور كريمة وهي التالي: يوسف 24/ والحجر40/ والصافات 40ـــ 74 ـــ 128 ـــ 160 ــــ 169 / وسورة ص 83/ مريم 51.

    وآيات أُخرى تشير إلى أن هناك عباداً مؤمنين أدنى درجة بالإخلاص من المخلَصين، وهم من لم يصلوا إلى درجة العصمة، وقد تكرر ذكرها في عدة مواضع من الكتاب الكريم في المواد التالية: مخلِصاً، مخلصون، مخلصين كما في السور التالية: الزمر 2 ـــ 11 ـــ 14/ البقرة 139/ الأعراف 29/ يونس 22/ العنكبوت 65/ لقمان 32/ غافر 14ـــ 65/ البيّنة 5.

   والفرق بين المخلَص (بفتح اللام) وبين المخلِص (بكسر اللام) : أن الأول هو من أخلص نفسه ودينه لله تبارك اسمه، بينما الثاني هو من أخلص دينه لله تعالى دون نفسه..فهو بالرغم من كونه عبداً مؤمناً مطيعاً إلا أنه لا يزال في قلبه شوائب عدم الخلوص لله تعالى؛ وقد يصل صاحب المقام الثاني إلى مقام الإخلاص النفسي والديني لله تبارك اسمه، إلا أنه لا يصل إلى درجة صاحب المقام الأول الخاص بالأنبياء والأولياء والأوصياء عليهم السلام، كما أنه لا يستلزم الحصول على وسام الطهارة المادية المتعلقة بدمه ونحوها..بل تبقى خاصة بالحجج الطاهرين (سلام الله عليهم).

     (الصنف الثاني): آيات تطهير أهل بيت العصمة والرسالة والولاية وهنا نستحضر آيتين في المقام:

     (الآية الأولى): قوله تعالى في سورة الواقعة الآية 79: ( إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون). والمس أعم من لمس المتوضئ لكلمات القرآن بيده؛ بل المسّ يشمل الإطلاع الكامل على حقيقة معانيه وأسراره، وهو أمرٌ لا يتيسر إلا لأهل البيت عليهم السلام المعصومون من الذنوب، فهم القادرون على الإطلاع على حقائقه ودقايقه وأسراره؛ ولا نصيب لغيرهم في ذلك.

  هذا بالإضافة إلى أن النبيَّ وأهل بيته الأطهار (صلى الله عليهم) يمكنهم مسّ آيات الكتاب الكريم من دون وضوء لأنهم بالأصل طاهرون مطهرون، وكلمة مطرون جمع "مطهَّر" وهو مبالغة في الطهارة أي أنهم طاهرون بالطهارة الممعنوية فوق طهارتهم المادية، طهارةٌ على طهارة..من هنا جاء في الأخبار الشريفة المستفيضة أنهم يصح لهم الصلاة من دون وضوء والمكوث في المسجد من دون غسل الجنابة، ويصح دفنهم من دون تغسيلهم غسل الميت..ذلك كلّه لأمرين:

    (الأول): لأنهم طاهرون بالطهارة المطلقة بنصِّ آية التطهير وغيرها.

    (الثاني): إنهم (سلام الله عليهم) كانوا يغتسلون من الجنابة ويتوضؤون ويغسل الحيُّ منهم الميتَ باعتبارهم مشرعين للأحكام وقدوة حسنة للمؤمنين

    (الآية الثانية): قوله تعالى في سورة الأحزاب 33 :(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً).

  هاتان الآيتان تشيران إلى أن أهل البيت عليهم السلام مطهرون من الأدناس والأرجاس المعنوية والمادية؛ وآية التطهير نصٌّ قطعيٌّ على انتفاء النجاسة المادية والمعنوية عن النبي وأهل بيته، بحكم الإطلاق في مادة "الرجس" المذكورة في الآية، ما يعني أنه سبحانه وتعالى قد دفع مطلق الرجس عنهم سواء كان معنوياً أو مادياً، ولو أراد التقييد بجهة دون أُخرى لكان من اللازم ذكره بمقتضى مقدمات الحكمة المعروفة في علم أُصول الفقه الجعفري الدالة على أن المتكلم ـــ وهو الله تبارك اسمه ــ في مقام بيان ما يريد لا هازلاً أو غافلاً (وحاشاه من ذلك)، وأن لا يكون هناك قرينة حالية أو مقالية تدل على التقييد والتعيين؛ وحيث لم يقيِّد بجهةٍ خاصة دلَّ ذلك على أن الرجس بكلا معنييه المعنوي والمادي منفيٌّ عن النبيّ وأهل بيته الأطهار (سلام الله عليهم)؛ ومعنى نفي الرجس المادي عنهم يستلزم أن يكون دمهم طاهر ونجوهم وبولهم طاهران ــ على فرض أنهم يبولون ــــ ومن المعلوم أن البول من سموم البدن تفرزه الكليتين بعد تصفية المياه في المعدة، وحيث أنهم سادة أهل الجنَّة وأنها خُلِقَتْ من فاضل طينتهم الشريفة، فلا يوجد فضلات وسموم في أبدانهم النورانية التي من فاضلها خلق الله تعالى أبدان الأنبياء قاطبةً، وبالتالي لا يوجد في أبدانهم فضلات تسمى بولاً أو غائطاً تماماً كأهل الجنة يأكلون ويشربون ولا فضلات فيها...هذا فضلاً عن أن دماءهم طاهرة وليس فيها فضلات من الكلسترول والدهون والسموم ولا أثر فيها لشيء من مسّ الشياطين والجن..فكلُّ جزءٍ من أجزاء أبدانهم الشريفة هي نور يسبح لله تبارك اسمه كيف لا ! وهم نور الأنوار وهداة الأبرار وحجج الجبار، بهم فتح الله وبهم يختم..سبحان من صوّرهم وكونهم بأحسن صورة وأجمل بنيان فهم مصداق قوله تعالى (قدَّر فهدى)، ولا فرق في طهارة دمائهم بين أن تكون في حياتهم أو بعد شهادتهم، إذ إن الإطلاق في إذهاب الرجس عنهم لا يفرّق بين الحياة وبعد الشهادة، ومن كان طاهراً في حياته لا يكون نجساً بعد مماته، وإذا كان نجساً في الحياة لا ينقلب إلى طاهر بعد الشهادة؛ فالموت فرع الحياة، وآثار الطاهرة بعد الشهادة هي من توابع الطهارة في حياتهم، فلا إثنينية بين حياتهم وبعد مماتهم..!

   وقد جلينا موضوع طهارتهم المادية في بحث آية التطهير من كتابنا الشريف (أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد) ودعمناه بالأدلة والبراهين بما لم يسبقنا إليه أحدٌ من أعلام الإمامية منذ عصور أصحابهم إلى يومنا هذا، وما هو إلا من فضلهم وكرمهم وجودهم على من جعل نفسه رهينةً للموت في سبيلهم والذود عن حياضهم وتفخيم أمرهم..صلى الله عليهم ولعن الله تعالى أعداءَهم من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين، دمتم أخي الفاضل موفقين ومسددين بدعاء الحجج الطاهرين (سلام الله عليهم)، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

كلبهم الباسط ذراعيه بالوصيد يلحس قصاعهم

  عبدهم الأحقر  محمد جميل حمُّود العاملي

   بيروت بتاريخ 3 شوال 1438 هجري


  • المصدر : http://www.aletra.org/subject.php?id=1485
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2017 / 07 / 08
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 10 / 16