• الموقع : مركز العترة الطاهرة للدراسات والبحوث .
        • القسم الرئيسي : العقائد والتاريخ .
              • القسم الفرعي : شبهات وردود .
                    • الموضوع : هل يشفع حصان الإمام الحسين عليه السلام لمن تشفع به؟ .

هل يشفع حصان الإمام الحسين عليه السلام لمن تشفع به؟

 

(بحث فريد وبكر لم يتطرق اليه أحد من متكلمي الإمامية سواء المتقدمون منهم والمتأخرون...)
مولانا خطر في فكري سؤال: هل فرس سيد الشهداء عليه السلام سيشفع لمن سأل الله الشفاعة به ام لا؟.

 

القسم العقائدي: هل يشفع حصان الإمام الحسين عليه السلام لمن تشفع به؟
بسم الله الرحمّان الرّحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الجواب: مورد الشفاعة خاص بالإنس والجن باعتبارهم مكلّفين بالأصول والفروع، فمن خالف من المؤمنين الشيعة حكماً شرعياً فله عذاب محدود وسوف تناله الشفاعة من النبي وآله ضمن شروط معيّنة سوف نتعرض لها لاحقاً..ولا تُعطى الشفاعة المباشرة للحيوانات في الآخرة، ولم أجد في النصوص ما يدل على شفاعة الحيوان لفاعل الخير معه..بل الثابت في النصوص هو أن الله تعالى يقتص ممن ظلمها واعتدى عليها بغير حق، كما أنه تعالى يثيب من أكرمها بطعام وشراب.
وبالجملة: ليس في نصوص الشفاعة ما يدل على تشفع الحيوانات مباشرةً لمن عطف عليها، ولكنّ المعصوم عليه السلام يشفع عوضاً عنها في يوم الحشر الاكبر عند قيام الخلائق للحساب بمقتضى قوله تعالى( وما من دابة في الارض ولا طائرٌ يطير بجناحيه إلا أمم امثالكم ما فرّطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربّهم يُحشرون) الانعام آية ٣٨.
وقوله سبحانه(وإذا الوحوش حُشِرَت) كورت الآية ٥.
والحشر الوارد في الآيتين الشريفتين تدلان على وجوب حشر الحيوانات يوم القيامة كما يحشر الجن والإنس، فيعوّض الله تعالى ما يستحق العوض منها، وينتصف لبعضها من بعض..وقد ورد في الخبر المشهور بما معناه: إن الله تعالى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء لأنها نطحتها بغير حق..وأنه تعالى سيقضي للمظلوم من الشاة القرناء بسبب ظلمها للشاة الجماء..هذا كلّه في يوم القيامة، وأمّا في الدنيا، فقد ورد في الاخبار أن الطيور وغيرها تدعو بالخير لمَن أكرمها بطعام وشراب ودفع عنها شرور الزواحف والسباع الضارية..وتدعو على مَن ظلمها وفتك بها من غير جرم.
ودعاؤها بالخير لمن عطف عليها يعتبر نوعاً من الشفاعة له يترقى به المؤمن في يوم القيامة..وليس بعيداً في النظر ولا مستحيلاً عقلاً في أن تنطق الحيوانات المظلومة وتستغيث الى ربها بالإنتقام لها والتشفع لغيرها ممن احسن إليها.. وهو أمر غير مستبعد من الناحية العقلية، ولكنني - بحدود تنقيبي في الأخبار - لم أجد خبراً واحداً يدل على تشفعهم لبعض الموالين المؤمنين ممن أحسنوا إليهم..نعم عثرت على خبرٍين قريبان من مورد بحثنا هما:
الأول: بشأن الذئاب التي يسلطها الله تعالى يوم القيامة على مَن ظلم آلَ محمد عليهم السلام فينتقمون من أعدائهم في النار والخبر طويل نقتصر على موضع الشاهد فيه وإليكموه: روى المجلسي في بحار الانوار (ج ٧ ص ٢٧٤ ح ٤٩) نقلاً عن التفسير المنسوب الى الإمام المعظّم الحسن العسكري عليه السلام عند ذكر معجزات النبي صلى الله عليه وآله وكلام الذئب مع الراعي فقال: قال الراعي: فقلت له: أيها الذئب أوكائن هذا؟قال:بلى، وما هو أعظم منه، سوف يقتلونه باطلاً، ويقتلون ذريته ويسبون حريمه، وهم مع ذلك يزعمون أنهم مسلمون، فدعواهم أنهم على دين الاسلام مع صنيعهم هذا بسادة أهل الاسلام أعجب من منعك لي.
لاجرم أن الله تعالى قد جعلنا معاشر الذئاب - أنا ونظرائي من المؤمنين - نمزقهم في النيران يوم فصل القضاء، وجعل في تعذيبهم شهواتنا، وفي شدائد آلامهم لذاتنا..
الثاني: ما ورد في الأخبار عن إمامنا الصادق عليه السلام من أن بعض أصحاب الإمام المهدي عليه السلام الذين يخرجون من طالقان( يتمسحون بسرج حصانه يطلبون بذلك البركة..) البحار ج ٥٢ ص ٣٠٤ ح رقم ٨٢.
والتمسح بسرج حصانه من أبرز مصاديق الشفاعة في طلب البركة والخير...
ولقد أطنبنا في البحث حول مورد الشفاعة للحيوانات بشكلٍ عام ليكون المؤمن على دراية بماهية التشفع عند الحيوانات.
والآن نعود إلى أصل سؤالكم الكريم وهو: هل سيشفع فرس سيّد الشهداء سلام الله عليه لمن سأل اللهَ تعالى التشفع به؟
والجواب: نعم، لا يبعد ذلك من الناحية العقلية والنقلية أيضاً، فليس من المستحيل عقلاً أن يشفع الفرس مباشرةً لمن طلب من الله تعالى أن يشفع له الفرس، ولكننا لم نجد خبراً يدل على تشفع فرس الإمام الحسبن عليه السلام لمن طلب من الله تعالى بأن يشفع له الفرس..ولكنّ الأمر سهل المنال بمقتضى العمومات الدالة على تشفع كلّ عمل طيّب فعله الإنسان أو الجان سواء كان من العبادات او المعاملات او كان من الماديات...فمثلاً الارض تشفع للمؤمن عند نزوله قبره فتوسع عليه لأنه مشى عليها بتواضع وورع وتقوى والحيوان يشفع لمن أطعمه وسقاه ودفع عنه الأذى وهلمّ دواليك في بقية المخلوقات فلا يبعد في النظر في أن بعض الحيوانات تتشفع للمؤمن الذي أحسن اليها بإذن الله تعالى..
وبعبارة أكثر وضوحاً: إمّا تتشفع للمشفوع له مباشرة، وإمّا بعفوٍ من الله تعالى، وإمّا بتوسط الأئمة المعصومين عليهم السلام، وبالتالي يجوز التشفع بفرس مولانا الإمام المعظم سيّد الشهداء (سلام الله عليه) وذلك لأمرين هما:
(الأمر الأول): إن هذا الفرس كان مباركاً طاهراً بسبب إلتصاقه بالإمام الحسين عليه السلام ومشاركته الحرب معه وإعانته على قتل اعدائه وسقوط دماء الإمام الحسين على ظهره وجانبيه، لذا صار مباركاً، وبالتالي يصح التشفع به لأنه في الواقع توسلٌ وتشفعٌ بحيوانٍ أحبّ الإمامَ الحسين عليه السلام ودافع عنه وقتل حدود أربعين جندياً في جيش عمر بن سعد لعنه الله.
(الأمر الثاني): إن هذا الفرس قاتل بشراسة لا نظير لها دفاعاً عن سيّده الإمام عليه السلام وبكى عليه..فقد روي خطباء المجالس الحسينية: أن الإمام الحسين عليه السلام لمّا دخل نهر الفرات ليشرب، فهمهم الفرس ليشرب فرمى سيّدنا الإمام عليه السلام الماء من يده قائلاً له بما معناه: انت عطشان وأنا عطشان، فلا اشرب الماء حتى تشرب..وكذلك يروون أنه لمّا أصيب الإمام الحسين عليه السلام بسهمٍ مثلث الأضلاع لم يقدر أن ينزل عن جواده، فقام الجواد وانبطح ببطنه على الارض ومال الى جانبه رفقاً بحال الإمام سيّد الشهداء سلام الله عليه....
وكذلك ورد في الاخبار أن فرس الإمام بكى وصهل صهيلاً عالياً لمّا استشهد الإمام عليه السلام وكان يقول: الظليمة الظليمة من امةٍ قتلت إبن بنت نبيها..وبناءً عليه: فهل يُقاس فعل الجواد بشيء من الجمادات كما سوف نعطي مثالاً على ذلك عمّا قريب..؟ كلا فإن الحيوان المضحي بنفسه كرامةً للمعصوم أفضل ممن لا يضحي، والمجاهد في سبيل الله والحجج الطاهرين عليهم السلام أفضل من القاعد في بيته لا يحب إشغال نفسه بجهاد وقتال أعداء المعصوم الذين يريدون قتله...
والمحصّلة: لا مانع من التشفع بجواد الإمام الحسين عليه السلام الذي أخذته الرقة والحنان على سيّد الشهداء عليه السلام لمّا رأى الآلاف من الجنود قد تكالبوا على شخص الإمام الحسين عليه السلام.. ونضرب لذلك ثلاثة نماذج من القرآن الكريم تدل على صحة التشفع بمتعلقات المعصوم كفرسه وقميصه.
(النموذج الأول): العمومات القرأنية الدالة على استجابة الله تعالى للمؤمن التقي في أن يتشفع بجواد الإمام الحسين عليه السلام من دون تخصيص بصنف خاص من التشفع ما دام هذا الصنف لا يخالف القواعد والأسس الصحيحة التي تلبي رغبة المؤمن بالتشفع بعد المعصومين عليهم السلام، فلأهل الجنة كلّ ما يرغبون ويشتهون ومنه رغبة مؤمن في أن يتشفع له فرس الإمام الحسبن عليه السلام فقد ورد في القرآن الكريم ست أيات تدل على تحقيق رغبتهم في كل ما يطلبونه، ويجمعها قدر مشترك وهي قوله تعالى:( لهم فيها ما يشاءون..ولهم ما يشاءون) راجعوا السور التالية: النحل ٣١/الفرقان ١٦/الزمر ٣٤/الشورى٢٢/ق ٣٥/ الحشر ٤.
(النموذج الثاني): ما حصل للنبيّ يوسف عليه السلام حينما أرسل لأبيه النبي يعقوب عليه السلام قميصه فشمه النبيّ يعقوب عليه السلام فارتد بصيراً، فكان القميص شفيعاً لأبيه في شفاء بصره من العمى حزناً على إبنه النبي يوسف عليه السلام..فاذا جاز أن يكون للقميص تأثيرٌ في شفاء النبيّ يعقوب عليه السلام - والتأثير صنفٌ من أصناف التشفع في الشفاء - فلماذا لا يكون الجواد شفيعاً لمن طلب من الله تعالى الإستشفاع به...؟! ولا يبعد أفضلية الجواد على القميص لما في الجواد من صفات الحنان والعطف على سيّده الإمام المعظم أبي عبد الله الحسين عليه السلام والدفاع عنه والبكاء عليه، فهل يستوي قميص النبيّ يوسف عليه السلام بجواد الإمام الحسين عليه السلام..؟! فقميصه لم يبكِ على يوسف ولم يدفع عنه كيد زليخا ولا مكر إخوته لمّا قدموا الى مصر ليشتروا القمح من يوسف عليه السلام ملك مصر يومذاك ونعتوه بالسارق قال تعالى حاكياً عنهم:۞ قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ) (يوسف 77)...فحكم الأمثال فيما يجوز ولا يجوز واحدٌ لا يتجزأ...؟! 
( النموذج الثالث): مقام النبي إبراهيم في الحج الذي يحتوي على صخرة عليها آثار قدمي النبي إبراهيم عليه السلام فلا يقبل الطواف إلا بالطواف حوله كما كان يفعل النبي واهل بيته حيث كان المقام ملتصقاً بالكعبة فلما اغتصب ابو بكر وعمر بن الخطاب الخلافة قام عمر وأبعد المقام عن الكعبة..فالطواف حول المقام والصلاة خلفه شرط في صحة الحج وقد جعله الله مقاماً مقدّساً واعتبره شفيعاً للطائف من النار..وهكذا الحال في السعي بين الصفا والمروة أسوة بسيدتنا هاجر.. لذا جعله الله تعالى مقدّساً وأوجب على الحجيج السعي بينهما تقليداً لسيدتنا هاجر عليها السلام وبالتالي فإن السعي شفيع لنا يوم القيامة..وهكذا بقية مراسم الحج فإنها شفيعة لنا يوم القيامة..والأمثلة كثيرة لا يمكن إحصاؤها ههنا.
وللشفاعة شروط ثلاثة هي:
الشرط الأول: رضا الله تعالى عن الشافع.
الشرط الثاني: رضا الله تعالى عن المشفوع له.
الشرط الثالث: إذن الله تعالى للشافع أن يشفع.
وهذه الشروط مجملة في قوله تعالى: {وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى}، ومُفصَّلة في قوله: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه}، وقوله: {يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً}، وقوله: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى}، فلا بد من هذه الشروط الثلاثة حتى تتحقق الشفاعة.
وهل يمكن لأحد ما أن يتجرأ بالقول بأن الله تعالى لا يشفع لمن تشفع بجواد الإمام الحسين عليه السلام من باب الحبّ والنصرة لمن استمات بالدفاع عن شخص الإمام الحسين عليه السلام...؟ فإذا لم يشفع له الجواد مباشرة فإن الإمام الحسين عليه السلام سينوب عن جواده بالشفاعة لمن إندكت إنيته بكل شيء تعلق بالإمام الحسين عليه السلام..وفي أخبار أصحاب الإمام المهدي سلام الله عليه أنهم يتمسحون بسرج حصانه رغبةً منهم في الحصول على بركة سرج الحصان فضلاً عن الحصان نفسه.. ومن ينكر ذلك فإن لنا معه مخاصمة يوم الرجعة ويوم النشور..
والله العالم بأسرار خلقه، وهو الموفّق للصواب والرشاد بفضل النبيّ والآل..والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
خادم الحجج الاطهار عليهم السلام/ كلبهم الباسط ذراعيه بالوصيد محمد جميل حمود العاملي / بيروت بتاريخ ٢٤ محرّم الحرام ١٤٤٢ هجري قمري.

وللبحثِ تتمة سيكون في كتاب مُنفرد ان شاء الله


  • المصدر : http://www.aletra.org/subject.php?id=1978
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 11 / 09
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 07 / 3