|
هل ورد في روايات اهل البيت عليهم السلام مقدم ومؤخر بالزواج؟
ومن اين ورد كلمتي المقدم والمؤخر في العقد؟
واذا حصل العقد من دون ذكر المهر هل يصح العقد ؟
*******
الموضوع الفقهي: (هل ورد في روايات أهل البيت عليهم السلام مقدَّم ومؤخر بالزواج؟ ومن أين وردت الكلمتان التاليتان: المقدم والمؤخر في العقد ؟ واذا حصل العقد من دون ذكر المهر هل يصح العقد ؟ )
بسم الله جلَّت عظمته
الجواب: ليس لهاتين الكلمتين "المقدم والمؤخر أو المعجل والمؤجل" ذكر في الأخبار بحدود تتبعنا، ولكنهما مصطلحان تداولهما الفقهاء قديماً وحديثاً بحيث يصح تقسيم المهر إلى معجَّل ومؤخر، وأول من استخدمهما هو ابن إدريس الحلّي (ت 598هـ) مصرِّحاً باللفظين بصيغتهما الاصطلاحية (المعجّل والمؤجل)، قال في السرائر( ج2، ص592 ط. قم) : "ويجوز أن يكون المهر كلّه معجّلاً، أو كلّه مؤجّلاً، أو بعضه معجّلاً وبعضه مؤجّلاً ". وهذا النصّ بهاتين الكلمتين (المعجل والمؤجل) هو الأقدم بحسب ما وصلنا في إدخال هذين المصطلحين إلى اللغة الفقهية الإمامية المعاصرة...ويبدو أن الحلي أخذه من الشيخ الطوسي المتوفى عام 460 هـ حيث ذكر جواز التبعيض في المهر في كتبه الثلاثة (النهاية، المبسوط، الخلاف) تحت عنوان (ويجوز تأخير المهر كله أو بعضه"، أو "إن شرط تعجيله وجب تعجيله، وإن شرط تأخيره جاز" . فالشيخ الطوسي هو المؤسس لهذين اللفظين "التقديم والتأخير في المهر" وإن اختلفت العبارات فيه ولكنهما يصبان في اتجاه واحد..وتبعه على ذلك عامة الفقهاء الذين جاؤوا بعد الطوسي كسلاّر الديلمي (المتوفى عام463 هـ) في المراسم العلوية: حيث لم يذكر اللفظين بحروفهما، بل ذكر نفس تعابير الشيخ الطوسي عن "التأخير" و"التقديم". ثم لحقه ابن البراج (المتوفى عام 481 هـ) في المهذب لم يستعمل اللفظين، بل استخدم غيرهما بقوله:"فإن سمّيا صداقاً وجب الوفاء به حالاً أو إلى أجل". ثم لحقهم ابن إدريس الحلّي (ت 598 هـ) في كتابه السرائر مستخدماً لفظي "المُعجَّل" و"المُؤجَّل" صراحةً في المهر، وبعده المحقق الحلّي (ت 676 هـ) في الشرائع والمختصر النافع فقد تبنّى الاصطلاح نفسه تماماً:"المهر إمّا معجّل أو مؤجّل، أو بعضه معجّل وبعضه مؤجّل " .
ثم صار هذا التعبير ثابتاً في كتب تلامذته (كالعلامة الحلّي، والشهيدين، وصاحب الجواهر)، حتى غدا عرفاً فقهياً متداولاً.
والحاصل: ليس في الروايات ذكر لهذين اللفظين (مقدم ومؤخر أو معجل ومؤجل)، وأول من استعملهما على نحو الشرط هو الشيخ الطوسي، وأول من استعملهما صريحاً تحت عنوان(المعجل والمؤجل) هو ابن إدريس الحلّي، ثم استقرّا في الفقه الإمامي بعده كمصطلحين عرفيين لتقسيم المهر الى قسمين زمانيين.
واذا حصل العقد من دون ذكر المهر هل يصح العقد ؟ والجواب: لا يصح عندنا بحسب ظواهر الأدلة القائمة على أن المهر شرط في صحة العقد ولا عبرة بمن تفلسف من الفقهاء المتقدمين المعتقدين بعدم كونه شرطاً في العقد، بل هو عندنا باطل ولا بد من إعادة العقد مع ذكر المهر..فقد ورد في صحيح عبد الرحمان عن الإمام الصادق عليه السلام (..ولا يطأ الرجل المرأة إذا تزوجها حتى يجعل لها شيئاً وإن كان درهماً..) وجاء في صحيح زرارة عن الإمام أبي جعفر عليه السلام (لا يصلح نكاح إلَّا بمهر) وقد أشرنا إلى ذلك في فصل المهر من كتاب النكاح في الرسالة العملية (وسيلة المتقين ج 2 ص 320 مسألة 6). والمعارض لهذا الخبر يُحمل على محامل أخرى وإلا فلا معنى لمن لم يذكر للمرأة مهراً ثم دخل بها فتستحق مهر أمثالها، ففي موثق منصور بن حازم قال:" قلت لأبي عبد اللَّه عليه السّلام في رجل يتزوج امرأة ولم يفرض لها صداقاً، قال عليه السّلام: لا شيء لها من الصداق، فإن كان دخل بها فلها مهر نسائها "، وهذا يُحمل على المرأة التي فوضت بضعها للرجل جهلاً منها أو تسامحاً مع الزوج، فقالت للرجل: (زوجتك نفسي بلا مهر) والسر في دفع مهر نسائها هو أن المهر عوض عن البضع، فالبضع حق استحقه الزوج، والعوض حق وجب عليه، والنكاح بلا مهر يعني أن المرأة صارت كالموهوبة، فالنكاح باطل كما أفتى بذلك جماعة من فقهاء الشيعة المتقدمين على حد تعبير الطوسي في المبسوط ج 4 ص 294، ولما ورد في صحيح محمد بن مسلم في « أدنى ما يجزي في المهر ؟ قال عليه السّلام :" تمثال من سكر " وروي عن الإمام أبي جعفر الثاني الجواد عليه السلام بعد ما خطب ابنة المأمون وخطب لنفسه قال:"وهذا أمير المؤمنين زوّجني ابنته على ما فرض الله، ثمّ ذكر المهر، وقال: زوّجتني يا أمير المؤمنين ؟ قال: بلى، قال: قبلت ورضيت .
وقال الإمام الباقر عليه السلام: جاءت امرأة إلى النبيّ صلَّى الله عليه وآله فقالت: زوّجني، فقال: من لهذه ؟ فقال رجل: أنا، قال: ما تعطيها ؟ قال: ما لي شيء، فقال: أتحسن شيئاً من القرآن ؟ قال : نعم، قال:" قد زوّجتكها على ما تحسن من القرآن، فعلَّمها إيّاه ".
وروي أنّ سيّدتنا خديجة عليها السلام قالت للنبيّ صلَّى الله عليه وآله:"قد زوّجتك نفسي والمهر عليّ في مالي " أي أنها أوجبت المهر على نفسها من مالها الطيب باعتبار أن النبيَّ صلى الله عليه وآله كان فقيراً فأعانته بمالها وفدته بروحها ما أعظمها من إمرأة نبيلة جليلة صديقة طاهرة مطهرة...صلوات الله عليها وعلى بعلها وبنيها والسر الذي كان مستودعاً فيها وهو ابنتها الصدّيقة الكبرى التي على معرفتها دارت القرون الأولى.
فهذه الأخبار المطلقة وأمثالها دليلٌ واضح على أن المهر شرط في صحة النكاح، ولا نعتني بالمخالف لهذه الإطلاقات الواضحة في شرطية المهر في صحة العقد، وقد قامت على ذلك سيرة العلماء والمتدينين وهو – على أقل التقادير - موافق للإحتياط الوجوبي عند من يخاف تحليلَ فروج النساء من دون مهورهنّ وهو حقٌّ لهنَّ وقد قصّه الله تعالى علينا بقوله تبارك اسمه{وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً }النساء20.
والله العالم بحقائق الأمور وهو وليُّ المتقين.
خادم الحجج الأطهار عليهم السلام
عبدهم غريب الديار محمَّد جميل حمُّود العاملي
بيروت/بتاريخ 18 جمادى الأولى عام 1447 هـ.
|