|
يمكنكم تحميل البحث كاملا كملف واحد بتنسيق pdf بالضغط هنا بزر الفأرة (الماوس) الأيمن ثم اختيار (حفظ الهدف باسم - Save Target As) واختيار المكان المناسب
مَدارِجُ الولاية
من بابِ المعرفة إلى ساحةِ الرعاية
(في وجوب معرفة الحجج الطاهرين بأسمائهم على نحو التسلسل)
تصنيف:
آية الله المرجع الديني المحقق
سماحة الشيخ محمّد جميل حمُّود العاملي (دامت تأييداته)
مركز العترة الطاهرة للدراسات والبحوث
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى – 1447 ه / 2026م – بيروت، لبنان
المراسلة الأولية(1):
نص رسالة السائل الكريم:
السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته
المسألة: هل تُعدّ معرفةُ أسماءِ الأئمّةِ (عليهم السَّلام) من شروطِ الإيمان؟ وهل تجبُ معرفةُ أسمائهم (عليهم السَّلام) على نحوِ التسلسل، بما في ذلك معرفةُ آبائهم المعصومين (عليهم السَّلام)؟
العبد الفقير
حسين آل حمدي
* * * * *
السَّلام عليكم ورحمته وبركاته؛
الجواب: نعم، تجب شرعًا معرفة أسماء الحجج المطهرين (صلَّى الله عليهم أجمعين) وأسماء آبائهم وأولادهم المعصومين؛ أي: معرفة الإمام (عليه السَّلام) ومعرفة أبيه وابنه؛ لأنَّ كلّ إمام لاحق مرتبط بسابقه، فيجب أن يتميَّز الأب من الابن بمعرفة اسم الأب والابن، ومن دون المعرفة التفصيلية المتسلسلة بأسماء الآباء والأبناء لا يمكن تمييز الإمام (عليه السَّلام) عن بقية إخوته غير المعصومين، ما من شأنه أنْ يؤدي إلى ضياع حقّ الإمام والإمامة الإلهية؛ وهذا خلاف الصواب. والمعرفة المشار إليها هي من شروط الإيمان والإسلام.. والله وليُّ المتقين، وهو الهادي للصواب والرشاد.
عبد الإمام الحُجَّة القائم من آل محمّد صلَّى الله عليهم أجمعين
غريبه واقف على بابه يرجو فضلَ إحسانه
محمّد جميل حمُّود العاملي
بيروت / بتاريخ 28 رجب الأصب
1447 هجري قمري
حدُّ وجوب معرفة الحجج المطهرين (عليهم السَّلام) على نحو التسلسل عند الشيعة الإماميّة
(دراسة كلّاميّة في الأسماء والصفات)
الحمد لله ربّ العالمين، ربّ الخلائق أجمعين، والصلاة والسَّلام على سيّد المرسلين أبي القاسم محمّد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة السرمدية على أعدائهم ومبغضيهم والمنكرين لإمامتهم وولايتهم وظلاماتهم وفضائلهم وخصائصهم ومنازلهم وعلو قدرهم إلى قيام يوم الدين.. وبعد؛
وعليكم السَّلام ورحمة الله وبركاته.. فضيلة الشيخ حسين آل حمدي (دامت توفيقاته).. وهاكم جوابنا على سؤالكم الكريم حول وجوب الاعتقاد بحجج االله (عليهم السَّلام) على عامة المخلوقات وقادته في البلاد وساسته على العباد، ووجوب معرفتهم بصفاتهم وأسمائهم على نحو التسلسل في ما يأتي:
إنَّ مسألة وجوب معرفة أسماء الحجج الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين) هي من المسائل المعرفية العقديَّة التي لم تُبحَث بشكلّ تفصيليٍّ مستقلٍّ في زبر المتقدِّمين والمتأخرين الذين مروا عليها كالبرق الخاطف في زوايا بعض الأبواب العقدية والفقهية، وفي مضامين كلّامهم على صفات الإمام، وعصمته، وانحصارهم في عدد معين لدلالة العقل والنقل معًا على ذلك؛ إذ إنَّ غير المعصوم يحتاج إلى إمام معصوم كما احتاجت الإمامة إليه (عليه السَّلام)، وقد نص النبي (صلى الله عليه وآله وسلَّم) في عدة مواطن على تعيين الامام، وعلى تعدده، وانحصاره في الأئمّة الاثني عشر (عليهم السَّلام). كما تطرقوا إلى المسألة في باب امتحان المشكوك في تشيعه من مستحقي الزكاة؛ حيث يؤمر بتعداد الأئمة الأطهار (عليهم السَّلام) متسلسلين.. ذلك كلّه من دون بسطٍ في الاستدلال أو تعمقٍ في البرهان.. سحاب مركوم.. ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾.
ومِن منن الله تعالى علينا أن سخَّر بلطفه وكرمه مَن يفتح لنا باب البحث في المسألة بشكلّ دقيق، فجاءنا فضيلة الشيخ آل حمدي (سدده الله) بسؤاله الكريم حول مسألة وجوب معرفة أسماء الحجج الأطهار (عليهم صلوات الله تعالى) لنبحث فيها بعمقٍ بمقدار ما وسعه وقتنا المشحون في البحوث المتعددة الأطراف، والإجابة عن الفتاوى من جميع الأقطار، بالإضافة إلى شواغل البال وصوارف الزمان من هنا وهناك، لا سيّما وأننا لا زلنا مشردين من دارنا عقب ما أصابنا - خلال الحرب الأخيرة المدمرة في لبنان - من مأساةٍ مؤلمة لم تُبقِ لنا دارًا ولا أساسًا.. فطُمِسَت كتبُنا وتناثرت، فضيّقت علينا الخناقَ للتوسع أكثر فأكثر، فحال ذلك دون إعطاء المسألة حقّها من البحث المعمّق، إلّا أن ما كتبناه في هذه الوريقات - خلال تشريدنا من ديارنا - كافٍ ووافٍ في إجلاء الصورة العلمية العقدية حول المسألة مورد البحث... لذا، فإنَّ هذه الدراسة تتناول تحديد نطاق المعرفة الواجبة بالأئمّة (عليهم السَّلام) عند الشيعة الإماميّة، مع التركيز على مسألتين أساسيتين: إحداهما وجوب معرفتهم بأسمائهم على وجه التعيين والتسلسل، وثانيهما وجوب معرفتهم بالصفات المقوِّمة للإمامة، وتبحث الدراسة في مدى كفاية الإيمان الإجمالي، وتناقش أدلّة الإماميّة النقلية والعقلية، مع توثيق أقوال أعلام الطائفة، وصولًا إلى صياغة معيارٍ جامعٍ للمعرفة الواجبة المانعة من الجهالة والضلال، والمميِّزة بين أصل الوجوب وكمال الإيمان.
وتُعدّ مسألة معرفة الإمام (عليه السَّلام) من أركان المنظومة العقديّة عند الشيعة الإماميّة، وقد دلّت النصوص - المتواترة معنىً - على خطورة الجهل بها، كما في الحديث المشهور: "من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهليّة"، غير أنّ البحث الكلامي لا يقف عند أصل الوجوب، بل يتجاوز ذلك إلى تحديد حدّ هذه المعرفة: هل يكفي الإيمان الإجمالي بإمامٍ حقّ؟ أم تجب المعرفة التعيينيّة؟ وهل تشمل هذه المعرفة أسماء الأئمّة المطهرين (عليهم السَّلام) وتسلسلهم وصفاتهم، أم يُكتفى ببعض ذلك؟ وهل تلحق ألقابهم الشريفة بأسمائهم العزيزة المُنيفة؟
تهدف هذه الدراسة إلى تحرير هذا المبحث بدقّة، بعيدًا من الإفراط والغلوّ - كما يتصوّر بعض الجهلة - من جهة، والتفريط والتجويز بالإجمال من جهةٍ أُخرى.. ونحن قسَّمناه على عدة مباحث مهمة:
المبحث الأوّل: أصل وجوب معرفة الإمام (عليه السَّلام).
المبحث الثاني: وجوب المعرفة التعيينيّة بالأسماء.
المبحث الثالث: وجوب معرفة تسلسل أسمائهم الطاهرة (عليهم السَّلام).
المبحث الرابع: وجوب معرفة الصفات المقوِّمة للإمامة.
المبحث الخامس: حدود الإيمان الإجمالي والعذر بالجهل.
* * * * *
المبحث الأول
أصل وجوب معرفة الإمام (عليه السَّلام)
اتّفقت الإماميّة على أنّ معرفة الإمام من الأصول الاعتقادية وضرورة عقدية وفقهية، وبالتالي فهي واجبة شرعًا وعقلًا؛ وذلك لأنّ الإمامة استمرار لوظيفة الهداية الإلهيّة بعد النبوّة، ولا يتحقّق الغرض منها إلّا بالمعرفة، وقد استدلّوا على ذلك بدليلين:
1. بالنصوص الشرعية الدالّة على ذمّ الجهل بالإمام (عليه السَّلام).
2. وبالعقل؛ لأنَّ وجوب الطاعة يتوقّف على معرفة المطيع بهويّة المطاع.
أمَّا الدليل الأوّل الشرعي: فهو يعتمد على الآيات والأخبار الشريفة الدالة على وجوب معرفة الحجج الأطهار (عليهم السَّلام)، ويشمل الدليل أيضًا معرفة مولاتنا الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء وأولادها المعصومين (عليهم السَّلام) الذين خرجوا من رحمها الطاهر عنيت بهم: الإمامين الحسنين (عليهما السَّلام) ومولاتينا الطاهرتين زينب وأم كلثوم (عليهما السَّلام) ومولانا محسن (عليه السَّلام)؛ فهؤلاء لا إشكال ولا ريب في أنهم من أهل الكساء المقطوع بصدوره في حقّ أهل الكساء الأربعة الذين كانوا مع النبيّ (صلوات الله عليه) تحت الكساء، فمجموعهم مع النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلَّم) خمسة، وبقية الحجج الأطهار (عليهم السَّلام) هم من أهل البيت المتفرعين من أهل الكساء حتى لو لم يكونوا حاضرين يوم نزول آية التطهير، فقد دلت النصوص على عصمتهم وطهارتهم وقداستهم بأدلة أُخرى منفصلة ومتصلة، وهو أمرٌ مجمع عليه بين الإمامية من دون منازع على الإطلاق، ودلت عليه مئات النصوص الصريحة والقطعية، ففي الصحيح عن عليّ بن جعفر عن أخيه الإمام المعظَّم أبي الحسن (الكاظم عليه السَّلام) قال: "إن فاطمة صدِّيقةٌ شهيدةٌ وإن بنات الأنبياء لا يطمثن"، فقد أثبت الإمام المعظَّم موسى الكاظم (عليه السَّلام) شرافة جدته الصدّيقة الكبرى فاطمة (عليها السَّلام) عن الطمث؛ لأنَّها بنت النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله)، وهكذا حال ابنتيها الصدّيقتين أُمّ كلثوم الكبرى زينب، وأُمّ كلثوم الصغرى رقية (عليهما السَّلام)، فإنهما حفيدتا النبيّ وابنتا أمير المؤمنين عليّ والصدّيقة الكبرى فاطمة البتول (عليهم السَّلام)، فما يجري على أُمّهما يجري عليهما طبق القذة بالقذة، فلا يختلفان عن أُمّهما بأحكام الطمث والحجية الحكمية، إلّا ما أخرجه الدليل.. وقد ورد أيضًا في الفقيه للصدوق قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلَّم):"إن فاطمة (صلوات الله عليها) ليست كأحدٍ منكن؛ إنها لا ترى دمًا في حيض ولا نفاس كالحورية"، والصدّيقتان حوريتان كأمهما مولاتنا المطهرة فاطمة، فلا تتطرق إليهما نجاسة على الإطلاق، فهما حوريتان، بل هما وأمهما سيدات الحور والكور.. فهي (روحي فداها) من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا، وكلّ من شملته آية التطهير وصدق عليه أنَّه من أهل البيت، فلا ريب في طهارته فضلًا عن عصمته.. وورد أيضًا عن عن الوشاء قال كنت بخراسان مع عليّ بن موسى الرضا (عليه السَّلام) في مجلسه وزيد بن موسى حاضر قد أقبل على جماعة في المجلس يفتخر عليهم ويقول نحن ونحن، وأبو الحسن (عليه السَّلام) مقبل على قوم يحدثهم فسمع مقالة زيد فالتفت إليه فقال: "يا زيد أغرك قول ناقلي الكوفة أن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار فوالله ما ذلك إلّا للحسن والحسين وولد بطنها خاصة؛ فأما أنّ موسى بن جعفر أطاع الله يطيع الله ويصوم نهاره ويقوم ليله وتعصيه أنت ثم تجيئان يوم القيامة سواء لأنت أعز على الله منه إن عليَّ بن الحسين كان يقول لمحسننا كفلان من الأجر ولمسيئنا ضعفان من العذاب".
فقوله (عليه السَّلام): "وولد بطنها" صريح في البيان بأنها وأولادها من بطنها المطهرة معصومون؛ فلا يحتاج إثباته إلى تجشم استدلال.. فمثل أولادها من رحمها المطهرة كمثل بقية الحجج الأطهار (عليهم السَّلام) ممّن لم يكونوا تحت الكساء، أولهم الإمام السجاد (عليه السَّلام) ونزولًا إلى البقية الباقية من آل البيت (عليهم السَّلام)، فهؤلاء أئمة وحجج بالنصّ والأدلة الشرعية والعقلية الأُخرى التي دلت على إثبات إمامتهم وولايتهم (صلوات الله وسلامه عليهم)، فأولئك كهؤلاء أيضًا تجب معرفتهم بأسمائهم بنفس المناط والمِلاك؛ وذلك لأن المعرفة ليست منحصرة بالحجج الأطهار من الأئمة (عليهم السَّلام)، بل هي أعم من ذلك كما أوضحناه في مطاوي بحثنا هذا..
وها نحن نستعرض جملةً معتدًّا بها في إثبات وجوب معرفة الأئمة الأطهار (عليهم السَّلام) بالكمال والتمام، وهم اثنا عشر إمامًا مفترضي الطاعة، لا يزيدون ولا ينقصون، ومَن أنكر واحدًا منهم كمجموعٍ متسلسل فقد خرج من الإسلام، وكذلك من زاد عليهم فقد كفر؛ وذلك لأن الزيادة والنقصان من الأهواء والنزغات النفسانية الإبليسية، وليست من النصوص الشريفة التي حصرت الأئمة الأطهار بإثني عشر إمامًا بعد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله).. وإليكموها كما رواها المحدّث الجليل محمّد بن يعقوب الكلّيني :
1 - محمّد بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ محمّد، عَنْ محمّد بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي سَلَامٍ، عَنْ سَوْرَةَ بْنِ كلّيْبٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السَّلام) قَالَ: قُلْتُ لَه قَوْلُ اللَّه ((عزّ وجلَّ)): ﴿ويَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى الله وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ قَالَ: "مَنْ قَالَ إِنِّي إِمَامٌ ولَيْسَ بِإِمَامٍ"، قَالَ: قُلْتُ: وإِنْ كَانَ عَلَوِيًّا؟ قَالَ: "وإِنْ كَانَ عَلَوِيًّا"، قُلْتُ: وإِنْ كَانَ مِنْ وُلْدِ عَلِيِّ ابن أَبِي طَالِبٍ (عليه السَّلام)؟ قَالَ: "وإِنْ كَانَ".
2 - محمّد بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ محمّد بْنِ عِيسَى، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبَانٍ، عَنِ الْفُضَيْلِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (عليه السَّلام) قَالَ: "مَنِ ادَّعَى الإِمَامَةَ ولَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا فَهُوَ كَافِرٌ".
3 - الْحُسَيْنُ بْنُ محمّد، عَنْ مُعَلَّى بْنِ محمّد، عَنْ محمّد بْنِ جُمْهُورٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُخْتَارِ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّه (عليه السَّلام): جُعِلْتُ فِدَاكَ ﴿ويَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى الله﴾ قَالَ: "كلّ مَنْ زَعَمَ أَنَّه إِمَامٌ ولَيْسَ بِإِمَامٍ"، قُلْتُ: وإِنْ كَانَ فَاطِمِيًّا عَلَوِيًّا؟ قَالَ: "وإِنْ كَانَ فَاطِمِيًّا عَلَوِيًّا".
4 - عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ محمّد، عَنِ الْوَشَّاءِ، عَنْ دَاوُدَ الْحَمَّارِ، عَنِ ابن أَبِي يَعْفُورٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (عليه السَّلام) قَالَ: سَمِعْتُه يَقُولُ: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكلّمُهُمُ اللَّه - يَوْمَ الْقِيَامَةِ ولَا يُزَكِّيهِمْ ولَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: مَنِ ادَّعَى إِمَامَةً مِنَ اللَّه لَيْسَتْ لَه، ومَنْ جَحَدَ إِمَامًا مِنَ اللَّه، ومَنْ زَعَمَ أَنَّ لَهُمَا فِي الإِسْلَامِ نَصِيبًا".
5 - محمّد بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ محمّد، عَنِ ابن سِنَانٍ، عَنْ يَحْيَى أَخِي أُدَيْمٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ صَبِيحٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه يَقُولُ: "إِنَّ هَذَا الأمر لَا يَدَّعِيه غَيْرُ صَاحِبِه إلّا بَتَرَ اللَّه عُمُرَه".
6 - محمّد بْنُ يَحْيَى، عَنْ محمّد بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ محمّد بْنِ سِنَانٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (عليه السَّلام) قَالَ: "مَنْ أَشْرَكَ مَعَ إِمَامٍ إِمَامَتُه مِنْ عِنْدِ اللَّه مَنْ لَيْسَتْ إِمَامَتُه مِنَ اللَّه كَانَ مُشْرِكًا بِاللَّه".
7 - محمّد بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ محمّد، عَنْ محمّد بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ يُونُسَ، عَنْ محمّد بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّه (عليه السَّلام): رَجُلٌ قَالَ لِيَ اعْرِفِ الآخِرَ مِنَ الأَئِمَّةِ ولَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَعْرِفَ الأَوَّلَ. قَالَ: فَقَالَ: "لَعَنَ اللَّه هَذَا فَإِنِّي أُبْغِضُه ولَا أَعْرِفُه، وهَلْ عُرِفَ الآخِرُ إلّا بِالأَوَّلِ؟!!".
8 - الْحُسَيْنُ بْنُ محمّد، عَنْ مُعَلَّى بْنِ محمّد، عَنْ محمّد بْنِ جُمْهُورٍ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنِ ابن مُسْكَانَ قَالَ: سَأَلْتُ الشَّيْخَ - أي مولانا الإمام المعظَّم موسى الكاظم (عليه السَّلام) - عَنِ الأَئِمَّةِ (عليهم السَّلام)؟ قَالَ (عليه السَّلام): "مَنْ أَنْكَرَ وَاحِدًا مِنَ الأَحْيَاءِ فَقَدْ أَنْكَرَ الأَمْوَاتَ..".
وروى الكلّيني (رحمه الله تعالى) حديثًا هو الآتي:
عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ محمّد، عَنِ ابن أَبِي نَصْرٍ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ (عليه السَّلام) فِي قَوْلِ اللَّه ((عزّ وجلَّ)): ﴿ومَنْ أَضَلُّ ممّن اتَّبَعَ هَواه بِغَيْرِ هُدىً مِنَ الله﴾ قَالَ (عليه السَّلام): "يَعْنِي مَنِ اتَّخَذَ دِينَه رَأْيَه بِغَيْرِ إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى".
كما روى (أعلى الله مقامه) عدة أحاديث أخرى أيضًا هي الآتية:
1 - الْحُسَيْنُ بْنُ محمّد، عَنْ مُعَلَّى بْنِ محمّد، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَائِذٍ، عَنِ ابن أُذَيْنَةَ، عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: ابْتَدَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه (عليه السَّلام) يَوْمًا وقَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) مَنْ مَاتَ ولَيْسَ عَلَيْه إِمَامٌ فَمِيتَتُه مِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ"، فَقُلْتُ: قَالَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)؟ فَقَالَ: "إِي واللَّه، قَدْ قَالَ"، قُلْتُ: فَكلّ مَنْ مَاتَ ولَيْسَ لَه إِمَامٌ فَمِيتَتُه مِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ".
2 - الْحُسَيْنُ بْنُ محمّد، عَنْ مُعَلَّى بْنِ محمّد، عَنِ الْوَشَّاءِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ عَمْرٍو، عَنِ ابن أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (عليه السَّلام) عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّه (صلى الله عليه وآله وسلَّم): مَنْ مَاتَ ولَيْسَ لَه إِمَامٌ فَمِيتَتُه مِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، قَالَ: قُلْتُ: مِيتَةُ كُفْرٍ؟ قَالَ: "مِيتَةُ ضَلَالٍ"، قُلْتُ: فَمَنْ مَاتَ الْيَوْمَ ولَيْسَ لَه إِمَامٌ فَمِيتَتُه مِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ".
توضيح: خبر ابن أبي يعفور المتقدم فيه تشابه واضح من حيثية أنّ الإمام (عليه السَّلام) نفى عنه الكفر، وأثبت عليه الضلال، وهو أعم من الكفر؛ لذا لا بد من إيضاحه وتفسيره وفق ما يتلائم مع الأخبار الأُخرى الدالة على كفر تارك ولايتهم (عليهم السَّلام) بما يلي: إنّ معنى "ضلال التارك للولاية" خاص بالمستضعفين من الشيعة البله، ومعهم المخالفون المستضعفون، والمستضعفون هم أشباه القاصرين عقليًا كالبله ومن لا يعرفون شيئًا من وجوه الخلاف بين الشيعة والعامة، ولا يقلدون أيًّا من المذاهب الأربعة المبتدعة ؛ وبهذا يرتفع الإبهام والتشابه من الأساس.. وتفسيرنا هذا هو الصواب في معالجة خبر ابن أبي يعفور؛ بناءًا على مسلكنا الفقهي في كفر تارك الولاية، خلافًا لمبنى المجلسي الذي بعَّض الحكم فيها معتبرًا أنهم مسلمون في الدنيا وكفار في الآخرة.. وهو محض خطأ ونقص في السليقة الفقهية، وإليكم ما قاله العلامة المجلسي : "لعلَّه (عليه السَّلام) إنما نفى الكفر لأن السائل توهم أنه يجري عليه أحكام الكفر في الدنيا، فنفى ذلك، وأثبت له الضلال عن الحق في الدنيا، وعن الجنة في الآخرة، فلا يدخل الجنة أبدًا، فلا ينافي الأخبار الآتية التي أثبتوا فيها لهم الكفر، فإن المراد بها أنهم في حكم الكفار في الآخرة، ويحتمل أن يكون نفي الكفر لشمول من لا يعرف المستضعفين؛ لأنَّ فيهم احتمال النجاة من العذاب فسائر الأخبار محمولة على من سواهم وسيأتي القول في ذلك في كتاب الإيمان والكفر..".
إيرادنا المحكم على العلامة المجلسي: إنَّ الآيات والأخبار صريحة بكفر تارك الولاية في الدنيا والآخرة، ولا إثنينية بالفصل بين الدنيا والآخرة، أي من كان حكمه الكفر في الآخرة؛ لأنَّه نتيجة حتمية لكفره في الدنيا، وقد فندنا في كتابنا الجليل"معنى الناصبي" قول العلامة المجلسي الذي يميل إلى التبعيض في حكم المخالفين حيث حكم عليهم في الدنيا بالإسلام الظاهري، وبالكفر الواقعي في الآخرة.. والصحيح أنهم كفار الدنيا والآخرة معًا، فلا تبعيض في الحكم عليهم أبدًا.. !
إن معنى الضلال الذي حكم به الإمام الصادق (عليه السَّلام) على تارك الولاية الوارد في الرواية الآنفة الذكر - لو سلَّمنا بصحة صدورها عنه – فلربما تفيد الاحتمال الثاني الذي ذكره العلامة المجلسي (غفر الله تعالى له) بقوله: ".. ويحتمل أن يكون نفي الكفر لشمول من لا يعرف المستضعفين؛ لأن فيهم احتمال النجاة من العذاب فسائر الأخبار محمولة على من سواهم.. "؛ بمعنى أن الضال من فرق العمريين هو المستضعف منهم الذي لا يُعرف استضعافه.. ولكنَّ تفسيره المذكور لا يتلاءم مع الأُسس الفقهية والعقدية التي حكمت بالكفر على التارك الولاية لآل محمّد (عليهم السَّلام)، ويخرج منهم المستضعفون الذين لا يعرفون وجوه الخلاف بين الخاصة والعامة، ولا يقلدون واحدًا من أئمة المذاهب المبتدعة منهم، ولم يكونوا قادرين على البحث والتنقيب والسؤال.. فمثل هذا يحتمل في حقه النجاة، إلّا أنه ناقص أيضًا بسبب ما جاء في بعض الأخبار عنهم (عليهم السَّلام) في تعريف المستضعف؛ منها ما جاء في الكافي باب المستضعف بإسناده عن جماعة إلى سُفْيَانَ بْنِ السِّمْطِ الْبَجَلِيِّ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّه (عليه السَّلام): مَا تَقُولُ فِي الْمُسْتَضْعَفِينَ؟ فَقَالَ لِي شَبِيهًا بِالْفَزِعِ: "فَتَرَكْتُمْ أَحَدًا يَكُونُ مُسْتَضْعَفًا؟ وأَيْنَ الْمُسْتَضْعَفُونَ؟ فَوَاللَّه لَقَدْ مَشَى بِأَمْرِكُمْ هَذَا الْعَوَاتِقُ إِلَى الْعَوَاتِقِ فِي خُدُورِهِنَّ وتُحَدِّثُ بِه السَّقَّايَاتُ فِي طَرِيقِ الْمَدِينَةِ"، وفي بعض النسخ: "وتركتم أحدًا". وجاء أيضًا عن سهل، عن إسماعيل بن مهران، عن محمّد بن منصور الخزاعي، عن علي بن سويد، عن أبي الحسن موسى (عليه السَّلام) قال: سألته عن الضعفاء فكتب إليَّ: "الضعيف من لم ترفع إليه حجة، ولم يعرف اختلاف الناس؛ فإذا عرف الاختلاف فليس بضعيف"، وقول الإمام أبي جعفر (عليه السَّلام) لزرارة: "ما يمنعك من البله؟"، قلت: وما البله؟ قال: "هن المستضعفات من اللاتي لا ينصبن ولا يعرفن ما أنتم عليه"؛ أي: أن المستضعف هو من لا يعرف الاختلاف أشباه الصبيان ممّن ليس له مزيد تمييز يمكنه به معرفة الحق أو يبعثه على العناد والبغض لهم، كما قال إمامنا أبو جعفر (عليه السَّلام) لزرارة: "هو - أي المستضعف - الذي لا يستطيع حيلة يدفع بها عنه الكفر، ولا يهتدي بها إلى سبيل الايمان، لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر، قال: "والصبيان، ومن كان من الرجال والنساء على مثل عقول الصبيان".
وجاء في الكافي عن بعض أصحابنا، عن علي بن الحسين، عن علي بن حبيب الخثعمي، عن أبي سارة إمام مسجد بني هلال، عن الإمام أبي عبد اللَّه (عليه السَّلام) قال: "ليس اليوم مستضعف، أبلغ الرجالُ الرجالَ والنساءُ النساءُ ".
قال المازندراني الشارح لحديث سفيان بن السمط بعد نقل الحديث: "ولعلّ فزعه (عليه السَّلام) باعتبار أنّ سفيان كان من أهل الإذاعة لهذا الأمر، فلذلك قال (عليه السَّلام) على سبيل الانكار: فتركتم أحدًا يكون مستضعفًا، يعني: أنّ المستضعف من لا يكون عالمًا بالحقّ والباطل، وما تركتم أحدًا على هذا الوصف؛ لافشائكم أمرنا حتّى تتحدّث به النساء والجواري في خدورهنّ، والسقايات في طريق المدينة، وانّما خصّ العواتق بالذكر وهي الجارية أوّل ما أدركت؛ لأنّهنّ إذا علمن مع كمال استتارهنّ، فعلم غيرهنّ به أولى".
ولكننا لا نؤيّد شرح المازندراني الذي حمل الاستفهام على وجه الإنكار على سفيان باعتباره من أهل الإذاعة للأسرار.. إذ يعارضه احتمالٌ آخر هو الاستفهام التعجبي أو الحقيقي المعروف في اللغة، والاستفهام عادة ما يأتي بإحدى أدوات الاستفهام نظير الهمزة وهل.. إلخ؛ وهنا الهمزة محذوفة للاختصار أو لوضوح الاستفهام في الكلام الصادر من الإمام (عليه السَّلام).. وأمّا دعوى أن سفيان من أهل الإذاعة فأول الكلام؛ إذ ليس تعريف المستضعف ممّا يوجب الحزازة في الإذاعة، بل إن تعريف المستضعف من أولى الأحكام الفرعية التي يجب على المؤمنين معرفتها والعمل بمضمونها.. هذا بالإضافة إلى الأخبار الأُخرى الواضحة في تفسير وبيان مفهوم المستضعف، ولم يكن ثمة حزازة في بيانها، ولا صدر تعجب إنكاري منهم (عليهم السَّلام) على من بثَّها وبلَّغها.. كيف لا! وهم الذين بثوها بين شيعتهم ومواليهم الكرام.. فلأجل هذا لا يصح من المازندراني حمل الاستفهام على الإنكار.. كما لا يصح نعت سفيان بالإذاعة لهذ الأمر المهم للغاية على الصعيد الفقهي والعقائدي..! .
والصحيح في معنى الحكم بالضلال على تارك الولاية هو اختصاصه بالمستضعفين من الشيعة البله، ومعهم المخالفون المستضعفون البله، والمستضعفون هم أشباه القاصرين عقليًا كالبله والصبيان العاجزين عن التمييز والإدراك، ولا يعرفون شيئًا من وجوه الخلاف بين الشيعة والعامة، ولا يقلِّدون أحدًا من المذاهب الأربعة المبتدعة .
ولعلَّ الأصح في عبارة المجلسي المتقدّمة بقوله: "نفي الكفر لشمول من لا يعرف المستضعفين" هو هكذا: "من لا يعرف أمر أهل البيت (عليهم السَّلام) من المستضعفين"، والعجب من العلامة المجلسي (غفر الله تعالى له): كيف تأوَّل روايات كفر المخالفين لأمير المؤمنين عليّ (صلى الله عليه وآله وسلَّم) في حين لم يؤول روايات الواقفية بعامة فرقها ومذاهبها، ولم يؤوَّل للشيعي التارك لبعض الفروع جهلًا أو قصورًا أو تقصيرًا؛ فحكم بكفر الشيعي التارك للصلاة متعمدًا ومنكرًا.. !! في حين أنه حكم بالكفر على الجاهل بأصول الدين وفروعه.. !!!
3 - أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ محمّد بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنِ الْفُضَيْلِ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّه (عليه السَّلام): قَالَ رَسُولُ اللَّه (صلى الله عليه وآله وسلَّم): "مَنْ مَاتَ لَا يَعْرِفُ إِمَامَه مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً"؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قُلْتُ: جَاهِلِيَّةً جَهْلَاءَ أَوْ جَاهِلِيَّةً لَا يَعْرِفُ إِمَامَه؟ قَالَ: "جَاهِلِيَّةَ كُفْرٍ ونِفَاقٍ وضَلَالٍ".
4 - بَعْضُ أَصْحَابِنَا، عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّه الْحَسَنِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ عَامِرٍ، عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ زَائِدَةَ، عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه (عليه السَّلام): "مَنْ دَانَ اللَّه بِغَيْرِ سَمَاعٍ عَنْ صَادِقٍ أَلْزَمَه اللَّه الْبَتَّةَ إِلَى الْعَنَاءِ، ومَنِ ادَّعَى سَمَاعًا مِنْ غَيْرِ الْبَابِ الَّذِي فَتَحَه اللَّه فَهُوَ مُشْرِكٌ، وذَلِكَ الْبَابُ الْمَأْمُونُ عَلَى سِرِّ اللَّه الْمَكْنُونِ".
توضيح: معنى البتة: القطع أو النهاية أو بأي حال من الأحوال.. وكلّها معاني صحيحة في سياق الخبر، وتستخدم غالبًا في سياق النفي للتأكيد على عدم فعل شيء ما، مثل: "لا أفعل ذلك البتة" أو "لن أذهب البتة " وهي مصدر مأخوذ من القطع، وتفيد التأكيد المطلق كما يقال:"طلقها ثلاثًا البتة"، ولكن في نسخة أُخرى ورد هكذا: "ألزمه النية"، وكلّا المعنيين صحيح ومقبول، والترجيح لكلّمة "البتة"؛ فتأمل.
وروى أيضًا في باب "فِيمَنْ دَانَ اللَّه ((عزّ وجلَّ)) بِغَيْرِ إِمَامٍ مِنَ اللَّه جَلَّ جَلَالُه":
1 - عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ محمّد، عَنِ ابن أَبِي نَصْرٍ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ (عليه السَّلام) فِي قَوْلِ اللَّه ((عزّ وجلَّ)): ﴿ومَنْ أَضَلُّ ممّن اتَّبَعَ هَواه بِغَيْرِ هُدىً مِنَ الله﴾ قَالَ: "يَعْنِي مَنِ اتَّخَذَ دِينَه رَأْيَه بِغَيْرِ إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى".
2 - محمّد بْنُ يَحْيَى، عَنْ محمّد بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ رَزِينٍ، عَنْ محمّد بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السَّلام) يَقُولُ: "كلّ مَنْ دَانَ اللَّه بِعِبَادَةٍ يُجْهِدُ فِيهَا نَفْسَه ولَا إِمَامَ لَه مِنَ اللَّه فَسَعْيُه غَيْرُ مَقْبُولٍ، وهُوَ ضَالٌّ مُتَحَيِّرٌ، واللَّه شَانِئٌ لأَعْمَالِه، ومَثَلُه كَمَثَلِ شَاةٍ ضَلَّتْ عَنْ رَاعِيهَا وقَطِيعِهَا، فَهَجَمَتْ ذَاهِبَةً وجَائِيَةً يَوْمَهَا، فلمّا جَنَّهَا اللَّيْلُ بَصُرَتْ بِقَطِيعٍ مَعَ غَيْرِ رَاعِيهَا فَحَنَّتْ إِلَيْهَا واغْتَرَّتْ بِهَا، فَبَاتَتْ مَعَهَا فِي رَبَضَتِهَا، فلمّا أَنْ سَاقَ الرَّاعِي قَطِيعَه أَنْكَرَتْ رَاعِيَهَا وقَطِيعَهَا، فَهَجَمَتْ مُتَحَيِّرَةً تَطْلُبُ رَاعِيَهَا وقَطِيعَهَا، فَبَصُرَتْ بِغَنَمٍ مَعَ رَاعِيهَا، فَحَنَّتْ إِلَيْهَا واغْتَرَّتْ بِهَا، فَصَاحَ بِهَا الرَّاعِي الْحَقِي بِرَاعِيكِ وقَطِيعِكِ فَإِنَّكِ تَائِهَةٌ مُتَحَيِّرَةٌ عَنْ رَاعِيكِ وقَطِيعِكِ، فَهَجَمَتْ ذَعِرَةً مُتَحَيِّرَةً نَادَّةً لَا رَاعِيَ لَهَا يُرْشِدُهَا إِلَى مَرْعَاهَا أَوْ يَرُدُّهَا، فَبَيْنَا هِيَ كَذَلِكَ إِذَا اغْتَنَمَ الذِّئْبُ ضَيْعَتَهَا فَأَكلّهَا؛ وكَذَلِكَ واللَّه يَا محمّد مَنْ أَصْبَحَ مِنْ هَذِه الأُمَّةِ لَا إِمَامَ لَه مِنَ اللَّه (جَلَّ وعَزَّ) ظَاهِرًا عَادِلًا أَصْبَحَ ضَالًا تَائِهًا وإِنْ مَاتَ عَلَى هَذِه الْحَالِ مَاتَ مِيتَةَ كُفْرٍ ونِفَاقٍ. واعْلَمْ يَا محمّد إِنَّ أَئِمَّةَ الْجَوْرِ وأَتْبَاعَهُمْ لَمَعْزُولُونَ عَنْ دِينِ اللَّه، قَدْ ضَلُّوا وأَضَلُّوا، فَأَعْمَالُهُمُ الَّتِي يَعْمَلُونَهَا كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِه الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ ممّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ؛ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ".
3 - عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ محمّد بْنِ عِيسَى، عَنِ ابن مَحْبُوبٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعَبْدِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّه (عليه السَّلام): إِنِّي أُخَالِطُ النَّاسَ فَيَكْثُرُ عَجَبِي مِنْ أَقْوَامٍ لَا يَتَوَلَّوْنَكُمْ ويَتَوَلَّوْنَ فُلَانًا وفُلَانًا لَهُمْ أَمَانَةٌ وصِدْقٌ ووَفَاءٌ، وأَقْوَامٌ يَتَوَلَّوْنَكُمْ لَيْسَ لَهُمْ تِلْكَ الأَمَانَةُ ولَا الْوَفَاءُ والصِّدْقُ؟!! قَالَ: فَاسْتَوَى أَبُو عَبْدِ اللَّه (عليه السَّلام) جَالِسًا، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ كَالْغَضْبَانِ، ثُمَّ قَالَ: "لَا دِينَ لِمَنْ دَانَ اللَّه بِوَلَايَةِ إِمَامٍ جَائِرٍ لَيْسَ مِنَ اللَّه، ولَا عَتْبَ عَلَى مَنْ دَانَ بِوَلَايَةِ إِمَامٍ عَادِلٍ مِنَ اللَّه"، قُلْتُ: لَا دِينَ لأُولَئِكَ ولَا عَتْبَ عَلَى هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: "نَعَمْ لَا دِينَ لأُولَئِكَ، ولَا عَتْبَ عَلَى هَؤُلَاءِ"، ثُمَّ قَالَ: "ألَا تَسْمَعُ لِقَوْلِ اللَّه ((عزّ وجلَّ)) ﴿الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ﴿يَعْنِي مِنْ ظُلُمَاتِ الذُّنُوبِ إِلَى نُورِ التَّوْبَةِ والْمَغْفِرَةِ لِوَلَايَتِهِمْ كلّ إِمَامٍ عَادِلٍ مِنَ اللَّه وقَالَ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ﴾ إِنَّمَا عَنَى بِهَذَا أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى نُورِ الإِسْلَامِ، فلمّا أَنْ تَوَلَّوْا كلّ إِمَامٍ جَائِرٍ لَيْسَ مِنَ اللَّه ((عزّ وجلَّ)) خَرَجُوا بِوَلَايَتِهِمْ إِيَّاه مِنْ نُورِ الإِسْلَامِ إِلَى ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ فَأَوْجَبَ اللَّه لَهُمُ النَّارَ مَعَ الْكُفَّارِ فــ ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.
4 - وعَنْه، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ حَبِيبٍ السِّجِسْتَانِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السَّلام) قَالَ: قَالَ اللَّه (تَبَارَكَ وتَعَالَى): "لأُعَذِّبَنَّ كلّ رَعِيَّةٍ فِي الإِسْلَامِ دَانَتْ بِوَلَايَةِ كلّ إِمَامٍ جَائِرٍ لَيْسَ مِنَ اللَّه وإِنْ كَانَتِ الرَّعِيَّةُ فِي أَعْمَالِهَا بَرَّةً تَقِيَّةً، ولأَعْفُوَنَّ عَنْ كلّ رَعِيَّةٍ فِي الإِسْلَامِ دَانَتْ بِوَلَايَةِ كلّ إِمَامٍ عَادِلٍ مِنَ اللَّه وإِنْ كَانَتِ الرَّعِيَّةُ فِي أَنْفُسِهَا ظَالِمَةً مُسِيئَةً".
5 - عَلِيُّ بْنُ محمّد، عَنِ ابن جُمْهُورٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ صَفْوَانَ، عَنِ ابن مُسْكَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (عليه السَّلام) قَالَ: "إِنَّ اللَّه لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يُعَذِّبَ أُمَّةً دَانَتْ بِإِمَامٍ لَيْسَ مِنَ اللَّه وإِنْ كَانَتْ فِي أَعْمَالِهَا بَرَّةً تَقِيَّةً، وإِنَّ اللَّه لَيَسْتَحْيِي أَنْ يُعَذِّبَ أُمَّةً دَانَتْ بِإِمَامٍ مِنَ اللَّه وإِنْ كَانَتْ فِي أَعْمَالِهَا ظَالِمَةً مُسِيئَةً".
وروى الكلّيني أيضًا عدة أحاديث حول الموضوع عينه:
1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن سليمان بن جعفر قال: سمعت الرضا (عليه السَّلام) يقول: إن علي بن عبد الله (في نسخة: عبيد الله) بن الحسين ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السَّلام) وامرأته وبنيه من أهل الجنة، ثم قال: "من عرف هذا الأمر من ولد علي وفاطمة (عليهما السَّلام) لم يكن كالناس".
2 - الحسين بن محمّد، عن معلى بن محمّد قال: حدثني الوشاء قال: حدثنا أحمد ابن عمر الحلال قال: قلت لأبي الحسن (عليه السَّلام): أخبرني عمّن عاندك ولم يعرف حقّك من ولد فاطمة؟ هو وسائر الناس سواء في العقاب؟ فقال: "كان علي بن الحسين (عليه السَّلام) يقول: عليهم ضعفا العقاب".
3 - الحسين بن محمّد، عن معلى بن محمّد، عن الحسن بن راشد قال: حدثنا علي بن إسماعيل الميثمي قال: حدثنا ربعي بن عبد الله قال: قال لي عبد الرحمن ابن أبي عبد الله قلت لأبي عبد الله (عليه السَّلام): المنكر لهذا الأمر من بني هاشم وغيرهم سواء؟ فقال لي: "لا تقل المنكر، ولكن قل: الجاحد من بني هاشم وغيرهم، قال أبو الحسن: فتفكرت [فيه] فذكرت قول الله (عزّ وجلَّ) في إخوة يوسف: "فعرفهم وهم له منكرون".
قال الفيض الكاشاني : "الجحد الإنكار مع العلم، والإنكار يقابل المعرفة، ولما كانت بنو هاشم عالمين بأمرهم (عليه السَّلام) ما ناسب إطلاق الإنكار على فعلهم معهم بل كان إطلاق الجحد عليه أوفق، وإنما اكتفى (عليه السَّلام) في جواب السائل بهذا الاعتراض لأن السائل نفسه اكتفى به وبفهم جوابه بنفسه عن إعادة السؤال ثانيًا فاغتنم (عليه السَّلام) الفرصة للسكوت عنه ".
4 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن ابن أبي نصر قال: سألت الرضا (عليه السَّلام) قلت له: الجاحد منكم ومن غيركم سواء؟ فقال: "الجاحد منا له ذنبان والمحسن له حسنتان".
وثمة أخبار أُخرى في مصادر حديثية أُخرى دالة على المطلوب، من الجيد أن نستعرضها لأهميتها، وإليكم بعضها :
(1). المحاسن: بإسناده عن أبيه، عن النضر، عن يحيى الحلبي، عن بشير الدهان قال: قال مولانا الإمام أبو عبد الله (عليه السَّلام): قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): "مَنْ مات وهو لا يعرف إمامه مات ميتةً جاهليّةً، فعليكم بالطّاعة، قد رأيتم أصحابَ عليّ (عليه السَّلام)، وأنتم تأتمّون بِمَن لا يعذر الناس بجهالة ، لنا كرائم القرآن، ونحن أقوامٌ افْتَرَضَ اللهُ طاعَتَنَا، ولنا الأنفال، ولنا صفو المال".
قال المجلسي في الشرح: [قوله: "قد رأيتم أصحاب علي (عليه السَّلام)"، أي طاعتهم له، فالمراد خواصهم أو رجوعهم عنه وكفرهم بعدم طاعتهم له كالخوارج، قوله: " لنا كرايم القرآن " أي نزلت فينا الآيات الكريمة ونفائسها، وهي ما تدل على فضل ومدح، والمراد بــ "ميتة الجاهلية" الموت على الحالة التي كانت عليها أهل الجاهلية من الكفر والجهل بأصول الدين وفروعه".
(2). المحاسن: ابن فضال، عن حماد بن عثمان، عن أبي اليسع عيسى بن السري قال: قال مولانا الإمام أبو عبد الله (عليه السَّلام): "إنّ الأرض لا تصلح إلّا بالإمام، ومَنْ مات لا يعرف إمامَه مات ميتةً جاهليّةً، وأحوج ما يكون أحدكم إلى معرفته إذا بلغتْ نفسُه هذه، وأهوى بيده إلى صدره يقول: لقد كنت على أمر حسن".
(3). المحاسن: محمّد بن عليّ، عن عليّ بن النعمان النخعي، عن الحارث بن المغيرة النضري قال: سمعت عثمان بن المغيرة يقول: حدثني مولانا الإمام الصّادق عن مولانا أمير المؤمنين عليّ (عليه السَّلام) قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): "مَنْ مات بغير إمام جماعة مات ميتةَ جاهليّةً"، قال الحارث بن المغيرة: فلقيتُ الإمام جعفر بن محمّد (عليه السَّلام)، فقال: "نعم"، قلنا: فمات ميتةَ جاهليّةً؟ قال: "ميتة كفرٍ وضلالٍ ونفاقٍ".
(4). المحاسن: أبي، عن عليّ بن النعمان، عن محمّد بن مروان، عن الفضيل قال: سمعتُ مولانا الإمام أبا جعفر (عليه السَّلام) يقول: "مَنْ مات وليس له إمام فموته ميتة جاهليّة. ولا يعذر الناس حتى يعرفوا إمامهم. ومَنْ مات وهو عارف لإمامه لا يضرّه تقدّم هذا الأمر أو تأخره، ومَنْ مات عارفًا لإمامه كان كمَن هو مع القائم في فسطاطه".
(5). إكمال الدين: ابن المتوكلّ، عن الحميري، عن الحسن بن طريف، عن صالح بن أبي حماد، عن محمّد بن إسماعيل، عن أبي الحسن الرِّضا (عليه السَّلام) قال: "مَنْ مات وليس له إمام مات ميتةً جاهليّةً"، فقلت له: كلّ مَنْ مات وليس له إمام مات ميتةً جاهليّةً؟ قال: "نعم، والواقف كافر، والناصب مشرك".
(6). الغيبة للنعماني: أحمد بن محمّد بن هوذة، عن النهاوندي، عن عبد الله بن حماد، عن يحيى عن عبد الله، عن مولانا الإمام أبي عبد الله (عليه السَّلام) أنه قال: "يا يحيى، مَن بات ليلة لا يعرف فيها إمام زمانه مات ميتةً جاهليّةً".
(7). الغيبة للنعماني: عبد الواحد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد بن رياح، عن أحمد بن عليّ الحميري، عن الحسين بن أيوب، عن عبد الكريم بن الخثعمي عن ابن أبي يعفور قال: قلت للإمام أبي عبد الله (عليه السَّلام): رجلٌ يتولاّكم ويتبرّأ مِن عدوِّكم ويحلِّل حلالَكم، ويحرِّم حرامَكم، ويزعم أنّ الأمر فيكم لم يخرج منكم إلى غيركم إلّا أنه يقول: إنهم قد اختلفوا فيما بينهم وهم الأئمّة القادة، وإذا اجتمعوا على رجل فقالوا: هذا، قلنا: هذا، فقال (عليه السَّلام): "إنْ مات على هذا فقد مات ميتةً جاهليّةً".
(8). الغيبة للنعماني: عبد الواحد بن عبد الله، عن محمّد بن جعفر القرشي، عن أبي جعفر الهمداني عن محمّد بن سنان، عن سماعة بن مهران قال: قلت لمولانا الإمام أبي عبد الله (عليه السَّلام) رجلٌ يتولى عليًّا ويتبرّأ من عدوِّه، ويقول: كلّ شيء يقول، إلّا أنه يقول: قد اختلفوا فيما بينهم وهم الأئمة القادة، فلست أدري أيهم الامام، وإذا اجتمعوا على رجل أخذت بقوله، وقد عرفت أنّ الأمر فيهم، قال: "إنْ مات هذا على ذلك مات ميتةً جاهليّةً"، ثم قال: "للقرآن تأويل يجري كما يجري اللّيل والنّهار، وكما تجري الشّمس والقمر، فإذا جاء تأويل شيء منه وقع، فمنه ما قد جاء، ومنه ما يجيء".
بيان: إن قوله (فلست أدري أيهم الامام) صريح في وجوب معرفة الإمام (عليه السَّلام) باسمه واسم أبيه وصفات الإمام التي يجب أن يتصف بها.. فمن لا يعرف الإمام باسمه ولا اسم أبيه ولا يعرف صفاته، فقد مات على الكفر والضلال بقرينة قوله (عليه السَّلام): "إنْ مات هذا على ذلك مات ميتةً جاهليّةً".
(9). معاني الأخبار: ابن الوليد، عن الصفار، عن البرقي، عن محمّد بن عليّ، عن محمّد بن أسلم عن الحسن بن محمّد الهاشمي، عن ابن أذينة، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس الهلالي، عن أمير المؤمنين (عليه السَّلام) قال: قلتُ له: ما أدنى ما يكون به الرجل ضالًا؟ قال: "أنْ لا يعرف مَن أمرَ اللهُ بطاعته، وفرض ولايتَه، وجعله حُجّةً في أرضه، وشاهدَه على خَلْقِهِ"، قلتُ: فمَن هم يا أمير المؤمنين؟ فقال (عليه السَّلام): "الذين قَرَنَهُمُ اللهُ بنفسه ونبيّه، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ قال: فقبَّلْتُ رأسَه وقلتُ: أوضحتَ لي، وفَرَّجْتَ عَنِّي، وأذْهَبْتَ كلّ شَكٍّ كان في قلبي.
(10). علل الشرائع: أبي، عن أحمد بن إدريس، عن الحسين بن عبيد الله، عن ابن أبي عثمان، عن عبد الكريم عن عبيد الله، عن سلمة بن عطا، عن مولانا الإمام أبي عبد الله (عليه السَّلام) قال: خرج الحسين بن عليّ (عليه السَّلام) على أصحابه فقال: "أيها الناس إنّ الله (عزّ وجلَّ ذِكْرُهُ) ما خلق العبادَ إلّا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة ما سواه"، فقال له رجل: يا بن رسول الله بأبي أنت وأمي فما معرفة الله؟ قال (عليه السَّلام): "معرفة أهل كلّ زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته".
قال الصدوق (رحمة الله عليه): "يعني بذلك أنْ يعلم أهل كلّ زمان أنّ الله هو الذي لا يخليهم في كلّ زمان من إمام معصوم، فمن عبد ربًّا لم يقم لهم الحجة فإنما عبد غير الله تعالى".
بيان: لعله (عليه السَّلام) إنما فسّر معرفة الله بمعرفة الامام؛ لبيان أنّ معرفة الله لا تحصل إلّا من جهة الإمام (عليه السَّلام)، أو لاشتراط الانتفاع بمعرفته تعالى بمعرفته (عليه السَّلام)، ولما ذكره الصدوق أيضًا وجهٌ.
(11). عيون أخبار الإمام الرِّضا (عليه السَّلام ): فيما كتب مولانا الإمام الرِّضا (عليه السَّلام) للمأمون من شرائع الدين: "مَنْ مات لا يعرف أئمته مات ميتةً جاهليّةً".
تنبيه: إن قوله الشريف (عليه السَّلام): "لا يعرف أئمته (عليهم السَّلام)" قرينة واضحة على كون معرفتهم واجبة كمجموع لا يزيد ولا ينقص.. وهذه المعرفة تستلزم معرفة أسمائهم وصفاتهم.. فتأمل.
(12). إكمال الدين: العطّار، عن أبيه، عن عبد الله بن محمّد بن عيسى، عن الخشاب، عن غير واحد، عن مروان بن مسلم، عن مولانا الإمام أبي عبد الله (عليه السَّلام) قال: "الامامُ عَلَمٌ بين الله وبين خلقه، فمَن عرفه كان مؤمنًا، ومَن أنكره كان كافرًا".
تنبيه العاملي: لقد اشترط الإمام (عليه السَّلام) بالدلالة التضمنية في هذا الخبر الشريف شرطين في الحكم بالكفر على اثنين:
أحدهما: من لا يعرف الإمام؛ أي: الجاهل باسم وصفات الإمام (عليه السَّلام)، أو أنَّه يعرف الاسم والصفة ولكنَّه يشرك به واحدًا آخر وهو المعتقد بإمامة غيره.
ثانيهما:المنكر لإمامة الإمام (عليه السَّلام).. فالمؤمن هو من يعرف الإمام (عليه السَّلام) ويؤمن به، وينكر إمامة غيره على الإطلاق..
(13). تفسير علي بن إبراهيم: أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن أبي جميلة، عن أبان بن تغلب قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السَّلام): "يا أبان إن الله لا يطلب من المشركين زكاة أموالهم وهم يشركون به حيث يقول: ﴿وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون﴾"، قلت له: كيف ذاك جعلت فداك؟ فسره لي؟، فقال: "ويل للمشركين الذين أشركوا بالامام الأول، وهم بالأئمة الآخرين كافرون، يا أبان إنما دعا الله العباد إلى الايمان به فإذا آمنوا بالله وبرسوله افترض عليهم الفرائض".
(14). عيون أخبار الرضا (عليه السَّلام ): فيما كتب الرضا (عليه السَّلام) للمأمون من شرائع الدين: "من مات لا يعرف أئمته مات ميتة جاهلية".
(15). تفسير علي بن إبراهيم: جعفر بن محمّد عن عبد الكريم، عن محمّد بن علي، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: قال أبو جعفر (عليه السَّلام): "لا يعذر الله يوم القيامة أحدًا يقول: يا ربِّ لم أعلم أن ولْدِ فاطمة هم الولاة على الناس كافة، وفي شيعة ولد فاطمة أنزل الله هذه الآية خاصة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:53]".
المراد من ولْدِ مولاتنا المطهرة فاطمة (عليها السَّلام) هم الذين من رحمها المطهرة مباشرة، ولا يُراد منه عامة ذريتها غير المعصومين، فهؤلاء خارجون حكمًا وموضوعًا عن الحاكمية الإلهية والإمامة الربانية.. فالولاية والحاكمية خاصة بأولادها المعصومين (عليهم السَّلام).. فتأملوا؛ رحمكم الله تعالى.
تنبيه: إن الخبر الشريف واضح في وجوب الاعتقاد بإمامة أولاد مولاتنا الصدّيقة الكبرى فاطمة البتول (عليها السَّلام) ، وأن الله تعالى لن يعذر كلّ إنسان ممّن عاصر الأئمة الأطهار (عليهم السَّلام) ، ولسوف يحشر في النار، ولن تكفيه الاستغاثة وادّعاء أنه لم يكن يعلم بأن أولاد مولاتنا فاطمة الصديقة الكبرى هم ولاة بقوله: (يا ربِّ لم أعلم أن ولْدِ فاطمة هم الولاة على الناس كافة)".
وهذا ما يؤيده ويؤكده الخبر الشريف عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد قال: سمعت جعفر بن محمّد (عليهما السَّلام) وقد سئل عن قوله تعالى: ﴿فلله الحجة البالغة﴾ فقال: "إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي أكنتَ عالمًا؟ فإن قال: نعم، قال له: أفلا عملت بما علمت؟ وإن قال: كنت جاهلًا، قال له: أفلا تعلمت حتى تعمل؟ فيخصمه، وذلك الحجة البالغة".
فقوله (عليه السَّلام) " هلا تعلمت؟ " هو بيان لأن يعلم منه: أن مطلق الجهل، ليس عذرًا بالنسبة إلى ترك المأمور به والمطلوب النفسي أو الطريقي، وهو ما أشار إليه الخبر رقم 17 وهو قول إمامنا المعظّم أبي جعفر (عليه السَّلام) قال: "من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية، ولا يعذر الناس حتى يعرفوا إمامهم".
(16). كمال الدين: أبي وابن الوليد معًا، عن سعد والحميري معا، عن اليقطيني وابن يزيد وابن هاشم جميعًا، عن حماد بن عيسى، عن ابن أذينة، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس الهلالي أنه سمع من سلمان ومن أبي ذر ومن المقداد حديثًا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم) أنه قال: " من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية "، ثم عرضه على جابر وابن عباس فقالا: صدقوا وبروا، وقد شهدنا ذلك وسمعنا من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إن سلمان قال: يا رسول الله إنك قلت: من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية، من هذا الامام؟ قال: "من أوصيائي يا سلمان، فمن مات مِن أمّتي وليس له إمام منهم يعرفه فهي ميتة جاهلية، فإن جهله وعاداه فهو مشرك، وإن جهله ولم يعاده ولم يوال له عدوًا فهو جاهل، وليس بمشرك".
فكلّمة "يعرفه" مطلقة أي يعرفه بالاسم واسم أبيه وأمه، ويعرفه بالصفة أي بأوصافه الظاهرية والباطنية بقدر الاستطاعة، كما يعرفه بمعجزاته وكراماته. وصفة الإمامة تعني المعاجز التي يتميّز بها الإمام (عليه السَّلام) لأنه كعامة الأنبياء لا يُعرفون بأنهم أنبياء إلّا من خلال إقامة المعجزة لإثبات دعواهم بالنبوة، وهكذا حال الإمام (عليه السَّلام) لا ثتبت إمامته بنظر العقل والشرع والعرف حتى يقيم المعجزة لإثبات صحة دعواه كما هو واضح في الفكر العقدي الإمامي الإثني عشري.. وإقامة المعجزات هي الدليل الأعظم على صحة إمامتهم وولايتهم الكبرى وأنهم منصوبون من الله تعالى لهداية الخلق والسير بهم إلى الله تعالى، فالمعجزة تدل على صفة من صفاتهم، ومن يدّعي الإمامة غيرهم عليه أن يأتي بمعجزة.. هنا استحضرني ما قاله إمامنا المعظَّم أبو عبد الله الحسين (عليه السَّلام) لولية أبيه وأخيه قبله حبابة الوالبية (رضي الله عنها وأرضاها) عندما قال لها: "إِنَّ فِي الدِّلاَلَةِ دَليلًا عَلَى ما تُريدينَ، أَفتُريدينَ دِلالَةَ الإمامَةِ؟"، قالت: نعم..
تنبيه: إن ما ورد في هاتيك الأخبار الشريفة من ألفاظ "لم أعلم/ وليس له إمام يعرفه/ مات ميتةً جاهلةً.."؛ كلّها عبارات تفيد حرمة الجهل بمعرفة أسمائهم وصفاتهم ومراتبهم التي رتّبهم الله فيها، وبالتالي فإن أيَّ تقصير في تحصيل معرفتهم - كما أشرنا آنفًا -، يعني العقاب الإلهي على من قصّر في تحصيل معرفتهم بأسمائهم الشريفة وصفاتهم الرفيعة، ومن أهمها معاجزهم الكبرى التي فاقت التصور والتي تجاوزت بمحتواها معاجزَ الأنبياء والمرسلين (عليهم السَّلام)..
ولا بأس هنا باستعراض رواية حبابة الوالبية التي عاصرت ثمانية من الأئمة الحجج الأطهار (صلوات الله عليهم أجمعين)؛ لما فيها من معارف عقدية عالية تنفع العالم والمتعلّم، للتأكيد على وجوب معرفة الأئمة الأطهار (عليهم السَّلام) بصفة المعجزة، والصفة تدلُّ على الموصوف، ولولا الصفة لا يُعرف الموصوف بها.. روى عامة المحدثين بعض فضائل حبابة الوالبية، وفضلها من فضل آل البيت (صلَّى الله عليهم أجمعين)، من هذه الفضائل العلوية ما رواه الديلمي: وروي مرفوعًا إلى رشيد الهجري، ورواه البحراني تام السند عن جعفر بن يحيى، عن يونس بن ظبيان، عن المفضل بن عمر، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن يحيى بن معمر، عن أبي خالد عبد الله بن غالب، عن رشيد الهجري، قال: كنت وأبو عبد الله سلمان وأبو عبد الرحمن قيس بن ورقاء، وأبو القاسم مالك بن التيهان، وسهل بن حنيف، بين يدي أمير المؤمنين (عليه السَّلام) بالمدينة إذ دخلت عليه حبابة الوالبيّة وعلى رأسها مجمرة شبه المنسف، وعليها أثمار سابغة، وهي متقلّدة المصحف، وبين أناملها سبحة من حصى، ونوى وسلمت وبكت كثيرًا، وقالت: يا أمير المؤمنين! آه من فقدك وا أسفاه على غيبتك، وواحسرتاه! على ما يفوت من الغنيمة منك، لا نلهو ولا نرغب عنك، وإنّني من أمري لعلى يقين وبيان وحقيقة، وإنّي لقيتك وأنت تعلم ما أريده، فمدّ يده اليمنى إليها وأخذ منها حصاة بيضاء تلمع من صفائها، وأخذ خاتمه من يده فطبع به الحصاة وقال لها: "يا حبابة! هذا كان مرادك منّي"، فقالت: إي والله يا أمير المؤمنين! هذا أريده لما سمعت من تفرّق شيعتك واختلافهم من بعدك، فأردت هذا البرهان ليكون معي إن عمّرت بعدك لا عمّرت، ويا ليتني وقومي وأهلي لك الفداء، فإذا وقعت الإشارة،أوشكت الشيعة إلى من يقوم مقامك أتيته بهذه الحصاة فلو فعل بها ما فعلت علمت أنّه الخلف من بعدك، وأرجو أن لا أُؤجّل لذلك، فقال لها: بلى والله، يا حبابة! لتلقين بهذه الحصاة ابني الحسن والحسين وعليّ بن الحسين ومحمّد بن عليّ وجعفر بن محمّد وموسى بن جعفر وعليّ بن موسى الرضا، ترين في نفسك برهانًا عظيمًا منه، وتختارين الموت فتموتين، ويتولّى أمرك ويقوم على حفرتك ويصلّي عليك، وأنا مبشّرك بأنّك مع المكرورات من المؤمنات مع المهدي من ذرّيّتي إذا أظهر الله أمره،فبكت حبابة وقالت: يا أمير المؤمنين! من أين هذا لأمتك الضعيفة اليقين، القليلة العمل؟!! لولا فضل الله وفضل رسوله وفضلك يا أمير المؤمنين حقًا لا سواك! فادع لي يا أمير المؤمنين بالثبات على ما هدانا الله إليه لا أسلبه، ولا أفتن فيه ولا أضّل عنه، فدعا لها أمير المؤمنين (عليه السَّلام) وأصبحها خيرًا، قالت حبابة: فلمّا قبض أمير المؤمنين بضربة عبد الرحمن بن ملجم (لعنه اللّه) في مسجد الكوفة، أتيت مولاي الحسن فقال: أهلًا وسهلًا يا حبابة! هاتي الحصاة – التي طبعها أمير المؤمنين (عليه السَّلام) – وأخرج الإمام الحسن (عليه السَّلام) الخاتم بعينه، فلمّا مضى الحسن (عليه السَّلام) بالسمّ أتيت الحسين (عليه السَّلام)، فلمّا رآني قال: مَرْحَبًا يا حُبابَةُ! هاتِي الْحِصاةَ فَأَخَذَها وَخَتَمَها بِذلِكَ الْخَتْمِ، فلمّا استشهد (عليه السَّلام) مضيت إلى عليّ بن الحسين (عليه السَّلام) ، وقد شكّ الناس فيه ومالت شيعة الحجاز إلى محمّد بن الحنفيّة، فصار إليّ من كبارهم جَمعٌ وقالوا: يا حبابة! الله، الله، اقصدي عليّ بن الحسين بالحصاة حتّى يتبيّن الحقّ، فصرت إليه، فلمّا رآني رحب بي وقرّبني ومدّ يده وقال: هاتي الحصاة فأخذها وطبعها بذلك الخاتم. ثمّ صرت بعده إلى محمّد بن عليّ (عليه السَّلام) وإلى جعفر بن محمّد وإلى موسى بن جعفر وإلى عليّ بن موسى الرضا (عليهم السَّلام)، فكلّ يفعل مثل أمير المؤمنين (عليه السَّلام) والحسن والحسين (صلوات الله عليهم أجمعين)، ثمّ علت سنّي، ورقّ جلدي ودقّ عظمي، وحال سواد شعري، وكنت بكثرة نظري إليهم صحيحة البصر والعقل والفهم والسمع، فلمّا صرت بحال استولى الكبر فيه قلت لمولاي عليّ بن موسى الرضا (عليه السَّلام): لا تغفل عني تحضر جنازتي وتصلّي عليّ كما وعدني جدّك أمير المؤمنين (عليه السَّلام)، فقال: التزمي فإنّك معنا، فكان من أمرها أنّها ذات يوم نائمة على فراشها إذ نزل الحمام المحتوم فأيقظوها فإذا هي قد سلّمت، فلمّا كان من الغدو إذا برسول عليّ بن موسى الرّضا عندهم وعنده كفن وحنوط، ثمّ قاموا في جهازها فصلّى عليها الرضا (عليه السَّلام) ولقّنها ثمّ قام على قبرها يبكي، ثمّ قال: "أبلغي آبائي منّي السَّلام".
ونردفها ببعض المعاجز الأخرى الكاشفة عن دلائل الإمامة، فقد روى المحدّث الراوندي عن جابر الجعفيّ، عن الإمام المعظم عليّ زين العابدين (عليه السَّلام) قال: أقبل أعرابيّ إلى المدينة ليختبر الحسين (عليه السَّلام) لما ذكر له من دلائله، فلمّا صار بقرب المدينة خضخض ودخل المدينة، فدخل على الحسين (عليه السَّلام) وهو جنب، فقال له أبو عبد الله الحسين(عليه السَّلام): "أَما تَسْتَحْيي يا أَعْرابي أَنْ تَدْخُلَ إِلى إِمامِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ!؟"، وَقالَ: "أَنْتُمْ مَعاشِرَ الْعَرَبِ إِذا خَلَوْتُمْ خَضْخَضْتُم!"، فقال الأعرابي: يا مولاي! قد بلغت حاجتي ممّا جئت فيه، فخرج من عنده فاغتسل ورجع إليه، فسأله عمّا كان في قلبه.
وعن الراوندي أيضًا: عن الإمام الباقر عن أبيه (عليهما السَّلام) أنّه قال: صار جماعة من الناس بعد الحسن إلى الحسين (عليهما السَّلام)،فقالوا: يا ابن رسول الله! ما عندك من عجائب أبيك التي كان يريناها؟ فقال: "هَلْ تَعْرِفوُنَ أَبي؟"، قالوا: كلّنا نعرفه، فرفع له سترًا كان على باب بيت، ثمّ قال: "انْظُروُا فِي الْبَيْتِ"، فنظروا، فقالوا: هذا أمير المؤمنين (عليه السَّلام)، ونشهد أنّك خليفة الله حقًّا.
وروى المحدّث الجليل الحرّ العاملي: وفي رواية عن الصفّار، عن الحسن بن عليّ بإسناده، قال: سُئل الحسين بن عليّ (عليهما السَّلام) بعد مضىّ أمير المؤمنين (عليه السَّلام) فقال لأصحابه: "أَتَعْرِفوُنَ أَميرَ الْمُؤْمِنينَ (عليه السَّلام) إِذا رَأَيْتُمُوهُ؟"، قالوا: نعم، قال: "فَارْفَعُوا هذَا السِّتْرَ"، فرفعوه فإذاهم به لا ينكرونه، فقال لهم عليٌّ [أمير المؤمنين] (عليه السَّلام ): "إنّه يموت من مات منّا وليس بميت، ويبقي من بقي منّا حجّة عليكم".
(17). كمال الدين للشيخ الصدوق: أبي وابن الوليد معًا، عن اليقطيني، عن ابن فضال: عن ثعلبة عن محمّد بن مروان، عن الفضيل، عن الإمام المعظَّم أبي جعفر (عليه السَّلام) قال: "من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية، ولا يعذر الناس حتى يعرفوا إمامهم".
والأخبار حول كفر تارك ولايتهم (عليهم السَّلام) وغير المتبري من عدوهم فاقت التواتر بعشرات المرات، فمن أراد التوسع فليرجع إلى المصادر التي ذكرنا قسمًا منها ولله الحمد والفضل.. ولو لم يكن إلّا حديث "مات ميتةً جاهلية" لكفى به دليلًا مستقلًا على وجوب الاعتقاد بأهل البيت (عليهم السَّلام) كمجموع متسلسل، وهو حديث متواتر بين الفريقين ورواه صحيح البخاري ومسلم، كتاب الإمارة (بالمعنى) تحت عنوان " ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" . وقال مسلم أيضًا في كتاب قتال أهل البغي: "لا يجوز الخروج عن الإمام لما روي عن ابن عمر أن النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم) قال: "من نزع يده من طاعة إمامه فإنه يأتي يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وهو مفارق للجماعة فإنه يموت ميتة جاهلية" .. وفي لفظ آخر للصنعاني : "من خرج عن السلطان شبرًا مات ميتة جاهلية". ثم قال: "دلت هذه الألفاظ على أن من خرج على إمام قد اجتمعت عليه كلمة المسلمين، والمراد أهل قطر - كما قلناه - فإنه قد استحق القتل لادخاله الضرر على العباد. وظاهره سواء كان جائرًا أو عادلًا. وقد جاء في أحاديث تقييد ذلك بما أقاموا الصلاة". وقال الشوكاني في شرح قول النبي:"كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلّما هلك نبي خَلَفه نبي، وأنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا ببيعة الأوّل فالأول، ثم أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم متفق عليهن: [والمراد بالميتة الجاهلية وهي بكسر الميم أن يكون حاله في الموت كموت أهل الجاهلية على ضلال، وليس له إمام مطاع لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك، وليس المراد أنه يموت كافرًا بل يموت عاصيًا، ويحتمل أن يكون التشبيه على ظاهره ومعناه أنه يموت مثل موت الجاهلي وإن لم يكن جاهليًا.. ].
تنبيه: سبحان ربّك ربّ العزة عما يصفون؛ يفتون بكفر من فارق الجماعة ويأمرون بقتله، وفي الوقت نفسه يعيِّرون الشيعة ويتهكمون عليهم لأنهم يعتقدون بأن جاحد نصّ الغدير وغيره من نصوص إمامة وولاية أمير المؤمنين وأهل بيته الطاهرين (عليهم السَّلام) يدخل في سلك الكافرين والمارقين من شريعة رسول الله محمّد (صلَّى الله عليه وآله).. !!
أضف إلى ذلك: فإن قول النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلَّم) كما في رواية ابن عمر "من نزع يده من طاعة إمامه فإنه يأتي يوم القيامة ولا حجة له.."؛ واضحة في إثبات إمامة وولاية أمير المؤمنين عليّ (عليه السَّلام) في غدير خم وكونه حاكمًا على الأمة، ومؤكدًا على إمامته وأهل بيته الطاهرين (عليهم السَّلام) الذين أشار إليهم النبيُّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلَّم) في عشرات المناسبات أمام أصحابه ورعيته.. وبالرغم من ذلك كلّه قاموا على النبيّ وأهل بيته الأطهار (عليهم السَّلام) ، واجتثوهم، وتكاتفوا عليهم، فدسوا السُّمَّ في طعامه وشرابه – وبحسب رواية العامة دسوه في دوائه –، ونعتَ عمرُ بن الخطاب النبيَّ بالهجر والهذيان؛ لأنه طلب منهم أن يأتوه بدواة وكتف ليكتب لهم كتابًا لن يضلوا من بعده أبدًا.. فرد عليه عمر: إن الرجل ليهجر.. !!
ولم يكتفوا بقتل النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلَّم) فحسب، بل قتلوا ابنته الوحيدة سيّدة نساء العالمين الصدّيقة الكبرى مولاتنا المطهرة فاطمة الزهراء البتول (صلوات الله وسلامه عليها).. !!
إن أُمَّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلَّم) كانت تتظاهر بوجوب إطاعته ومحبته وأهل بيته الأطهار (عليهم السَّلام)، والتظاهر شيء، والواقع الثبوتي شيءٌ آخر، فمن هنا فضح الله تعالى أكاذيبهم بمقتضى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران:31]، ولكنَّهم انقلبوا على أعقابهم، فكشف الله تعالى عوراتهم وكذبهم بما فعلوه بالنبيّ وأهل بيته الطيبين الطاهرين (عليهم السَّلام).. ﴿وَمَا محمّد إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144].
من خلال ما تقدَّم من السياق الروائي المسهب يتضح لكلّ متدبرٍ: أّنّ أصل وجوب معرفتهم (عليهم السَّلام) باعتبارهم حجج الله تعالى على عامة خلقه محلّ وفاق بين الإمامية، وإنّما الخلاف في حدود المعرفة المطلوبة وهو ما يتكفله المبحث الثاني.
وأمَّا الدليل الثاني العقلي: فإنّه دليلٌ عقليٌّ يتكئ على وجوب الملازمة بين المعرفة العقلية والشرعية بصفاتهم وبين أسمائهم الدالة عليها بوجهين هما الآتيان:
(الوجه الأول): لو اكتُفي بالإيمان الإجمالي بإمامٍ من أهل البيت (عليهم السَّلام) للزم تصحيح إمامة غير الإماميّين من الزيديّة والاسماعيليّة وغيرهم، ولاختل الغرض من النصّ والتعيين الوارد في الأخبار، ولهذا صرّح أعلام الإماميّة بأنّ الواجب هو معرفة الإمام باسمه ونسبه، ليتميّز عمّن ليس بإمام.. وقد أتعب الشيخ الصدوق نفسه - بما يُشكر عليه - حينما جمع الأخبار الكاشفة عن العلل في تسمية أهل البيت (عليهم السَّلام) بأسمائهم وكناهم وألقابهم بدءًا من أمير المؤمنين وزوجته الطاهرة الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء وبقية أولادها الطاهرين (عليهم السَّلام)، والمنشيء للتسمية هو الله تبارك وتعالى؛ ممّا يدل بوضوح على أن التسمية مهمة جدًا عقلًا وشرعًا وعرفًا.
(الوجه الثاني): الإيمان الإجمالي يعتبر مخالفةً صريحة للأخبار القطعية الصدور الدالة على التعيين بالعدد والأسماء، والمخالفة تستلزم التكذيب لأقوال وتصريحات النبيّ بأسمائهم وأعيانهم (عليهم السَّلام)، وبالتالي هي تكذيب لله - تبارك اسمه وتعالى مجده -، والتكذيب يستلزم الكفر والمروق من الدين..
* * * * *
المبحث الثاني:
وجوب معرفة الأئمّة الأطهار (عليهم السَّلام) بالأسماء والتعيين:
لقد ذهب الشيعة الإماميّة إلى أنّ المعرفة الواجبة ليست معرفةً إجماليّة، بل هي معرفة تعيينيّة تمييزيّة بأسمائهم وأعيانهم وهم اثنا عشر إمامًا بحيث يتحقّق بها الامتثال الشرعي، وفي مقابل المشهور - بل والمجمع عليه بين متكلّمي الإمامية – ذهب صاحب العروة السيّد اليزدي إلى القول بالمعرفة الإجمالية منتقدًا قول المشهور بالتعيين فقال: "استشكلّ بعض العلماء في جواز إعطاء الزكاة لعوام المؤمنين الذين لا يعرفون الله أبهذا اللفظ ، أو النبي أو الأئمة كلّا أو بعضًا أو شيئًا من المعارف الخمس واستقرب عدم الإجزاء، بل ذكر بعض آخر أنه لا يكفي معرفة الأئمة بأسمائهم، بل لا بد في كلّ واحد أن يعرف أنه من هو، وابن من، فيشترط تعيينه وتمييزه عن غيره، وأن يعرف الترتيب في خلافتهم، ولو لم يعلم أنه هل يعرف ما يلزم معرفته أم لا يعتبر الفحص عن حاله، ولا يكفي الإقرار الإجمالي بأني مسلم مؤمن واثنا عشري، وما ذكروه مشكلّ جدًا، بل الأقوى كفاية الإقرار الإجمالي وإن لم يعرف أسماءهم أيضًا فضلًا عن أسماء آبائهم والترتيب في خلافتهم، لكن هذا مع العلم بصدقه في دعواه أنه من المؤمنين الاثني عشريين، وأما إذا كان بمجرد الدعوى ولم يعلم صدقه وكذبه فيجب الفحص عنه ".
ويقصد - اليزدي - ببعض العلماء اثنين منهم هما: العلامة البحراني صاحب الحدائق، والثاني العلامة النراقي في مستند الشيعة.. فكلّاهما استشكلّا في المعرفة الإجمالية من دون تمييز إمامٍ عن آخر بالاسم والوصف..
وممن وافق السيِّدَ اليزدي ثلةٌ ممّن شرحوا كتابه "العروة الوثقى" منهم: السيّد محسن الحكيم ، ومال إليه السيّد الخوئي في شرح العروة للبرجردي ، والسيّد السبزواري ، وكذا الشيخ محمّد تقي الآملي مصباح الهدى ؛ وقد قال الأخير قولًا غريبًا عجيبًا في بيان ما يحصل به الايمان في مرحلة الثبوت: "إعلم أن الايمان بالمعنى الأخص الذي يصير الإنسان به من أهل الولاية، ويجوز إعطاء الزكاة إليه وأخذه له، هو التصديق بإمامة الأئمة الاثني عشر والاعتقاد بما ثبت منهم بالضرورة عنده بحيث يرجع إنكاره إلى إنكارهم وإن لم يكن ضروريًا عند غيره، ويكفي في التصديق بإمامتهم معرفتهم إجمالًا ولو بعنوان كونهم الأئمة الاثني عشر ولا يحتاج إلى معرفة أسمائهم وأسماء آبائهم تفصيلًا ولا إلى ترتيب إمامتهم بأن يعلم أن أمير المؤمنين هو أولهم مثلًا، وهكذا، ولا بدَّ من الاعتقاد بغيبة الإمام (الأخير) منهم وحياته وإنه الذي سيظهر ويملأ الأرض قسطًا وعدلًا بعدما ملئت ظلمًا وجورًا، وبالجملة يكفي في حصول الايمان الاعتقاد بإمامتهم إجمالًا على نحو لو علم به تفصيلًا لكان معتقدًا به وبما لو أنكر لكان إنكاره مستلزمًا لإنكار إمامتهم وعدم كونه منهم عنده ولو لم يكن كذلك واقعًا، والدليل على حصول الايمان بهذا المقدار، هو السيرة القطعية من السلف إلى الآن على معاملة المؤمن مع من كان يعتقد بإمامتهم كذلك من غير نكير من دون التفكيك فيه أصلًا، فالقول بعدم الاكتفاء بالاعتقاد الإجمالي ولزوم معرفة أسمائهم وترتيب خلافتهم ضعيف لا وجه له".
والأغرب ممّا سبق هو ما استدل به السيّد السبزواري حيث قال:".. الإطلاق والسيرة - خصوصًا في الأزمنة القديمة التي لم تكن التفصيلات معلومة لدى عوام الشيعة - كفاية مطلق الإضافة إلى المذهب الخاص وإن لم يعرفوا شيئًا من الأسماء والخواص.. ".
أقول: إن الحق مع صاحب الحدائق الستشكلّ في إعطاء الجاهلين بمعرفة الأئمة الأطهار (عليهم السَّلام) من المؤمنين الذين لا يعرفون الله إلّا بهذا اللفظ أو النبيّ أو الأئمّة كلّا أو بعضًا أو شيئًا من المعارف الخمس، واستقرب عدم الإجزاء.. بقوله : "قال ما لفظه: نعم، يبقى الإشكال في جملة من عوامّ الشيعة الضعفة العقول ممّن لا يعرفون الله سبحانه إلّا بهذه الترجمة حتّى لو سُئل عنه من هو لربّما قال: محمّد أو علي ولا يعرف الأئمّة (عليهم السَّلام) كملًا.. ".
ووافقه العلامة النراقي صاحب المستند بعد أن استجود مقالة العلامة البحراني في الحدائق أضاف قائلًا: "بل وكذلك لو عرف الكلّ بأسمائهم فقط، يعني: مجرّد اللفظ ولم يعرف أنّه مَن هو وابن مَن، إذ لا يصدق عليه أنّه يعرفه ولا يتميّز عن غيره، والحاصل: أنّه يشترط معرفته بحيث يعيّنه في شخصه ويميّزه عن غيره، وكذا من لا يعرف الترتيب في خلافتهم، ولو لم يعلم أنّه هل يعرف ما يلزم معرفته أم لا فهل يشترط في الإعطاء الفحص عنه؟ الظاهر: نعم، إذا احتمل في حقّه عدم المعرفة، ولا يكفي الإقرار الإجمالي بأنّي مسلم مؤمن اثنا عشري.. إلخ ].
نورد على السيّد اليزدي صاحب العروة ومن وافقه على ذلك بإيرادين هما:
(الإيراد الأول): الدليل النقلي الشرعي: إن ما ادَّعاه خلاف الأصل الدال على وجوب معرفتهم (عليهم السَّلام) بالكيفية التي نصت عليها الأخبار الشريفة، فقد دلت تلك الروايات الشريفة على أنّ إنكار إمامٍ واحد يساوق إنكار الجميع، كما ورد في مضامينها: "من أنكر واحدًا من الأئمّة الأطهار (عليهم السَّلام) فقد أنكرهم جميعًا"، ولا يتحقّق الإنكار إلّا مع الجهل بالتعيين والاسم المستلزمَين للحيرة والشك، وهما من أبرز مصاديق الإنكار والجحود.
بالإضافة إلى ذلك؛ فإنه ومن اتبعه لم يذكروا لنا الأدلة على جواز الاكتفاء بالمعرفة الاعتقادية الإجمالية على إثبات مدَّعاهم الذي لا أساس له، بل إنّه مخالف لما عُلِمَ أثره في الأخبار الشريفة.. فإلقاء الدعوى من دون برهان تعتبر مجازفة وتهورًا وخلاف الاستنباط من الأخبار، ويبقى مجرد دعوى لا برهان عليها، ولا أثر يدل عليها.. فهؤلاء كما قال أمير المؤمنين عليّ (عليه السَّلام) حينما وصف المفتي برأيه في رواية طويله نقتبس منها الآتي: "..وإن نزلت به إحدى المبهمات المعضلات هيأ لها حشوًا من رأيه ثمَّ قطع به، فهو من لبس الشبهات في مثل غزل العنكبوت لا يدري أصاب أم أخطأ، لا يحسب العلم في شيء ممّا أنكر، ولا يرى أن وراء ما بلغ فيه مذهبًا، إن قاس شيئًا بشيء لم يكذب نظره، وإن أظلم عليه أمره اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه لكي لا يقال له: لا يعلم، ثمَّ جسر فقضى فهو مفتاح عشوات، ركّاب شبهات، خبّاط جهالات، لا يعتذر ممّا لا يعلم فيسلم، ولا يعضّ في العلم بضرس قاطع فيغنم، يذري الروايات ذرو الريح الهشيم.. "؛ فعلى الفقيه أن يبحث ويدقق في الأخبار، لا أن يتسرع في الفتوى تقليدًا لمن سبقه وتقدم عليه.. !! ويستحضرني هنا كلّامٌ للعلامة الشيخ محمّد جواد مغنية في إحدى كتاباته؛ حيث يذكر أن عشرات من شارِحِي العروة - وكلّهم فقهاء - مروا على آية مكتوبة خطأً منذ عصر السيّد اليزدي، نقلها هؤلاء الفقهاء من دون تدقيق في الآية ولا مراجعتها في القرآن.. أبعد هذا يأتينا غدًا من يتهكّم علينا بأننا ننعت بعض الفقهاء بالجهل وقلة الدراية.. بل هم مجرد نقلة عن بعضهم البعض من دون وعي وإدراك وأمانة في التدقيق والتحقيق.. ! فلا يهمنا ما افتروه علينا ولا يزالون يفترون ما دمنا على طريق الهدى وقول الحق.. وما دام الأمر موكولًا إلى الله تعالى ووليّه صاحب العصر والزمان (عليه السَّلام) فلا نبالي حاليًا بلقلقات ألسنتهم القذرة، ولكن الأمر أعظم بكثير ممّا يظنون حيث سيكون الحساب عسيرًا عليهم وعلى أتباعهم وأشياعهم ممّن قدحوا فينا وتهكموا علينا ظنًا منهم أننا لن نطالبهم بما جنته ألسنتُهم السيئة علينا.. هيهات.. أنَّى لهم ذلك.. !! سنرى وسيرون عما قريب أمام المحكمة المهدوية المقدَّسة، وسنأخذ حقنا، وسنعطي الحق لغيرنا بين يديه المباركتين (عليه السَّلام).. يا قائم آل محمّد أغيثوا عبدكم العاملي الملهوف..
(الإيراد الثاني): إن النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلَّم) عيّنهم بأسمائهم الواحد تلو الآخر، فدعوى كفاية الإقرار الإجمالي دونه خرط القتاد، ومخالف للترتيب الأصلي المؤدي إلى التمييز بالأسماء المتسلسلة على النهج الذي رسمه لنا النبيُّ وآله بأمرٍ من الله تعالى.. وظاهر النصوص الآمرة بوجوب معرفتهم (عليهم السَّلام) واضحة الدلالة في تسلسلهم وترتيبهم بالمراتب التي رتبهم الله تعالى فيها، وأمر بوجوب الاعتقاد بهم والتسليم لأمرهم.. من هنا جاء إثبات الشيخ الصدوق لذلك بقوله : حدثنا محمّد بن موسى بن المتوكلّ قال: حدثنا علي بن الحسين السعد آبادي، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه قال: سأل ضرار هشام بن الحكم عن الدليل على الإمام بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلَّم) فقال هشام: الدلالة عليه ثمان دلالات، أربعة منها في نعت نسبه، وأربعة في نعت نفسه، أمَّا الأربعة التي في نعت نسبه: فأن يكون معروف القبيلة، معروف الجنس، معروف النسب ،معروف البيت؛ وذلك أنه إذا لم يكن معروف القبيلة معروف الجنس معروف النسب معروف البيت جاز أن يكون في أطراف الأرض وفي كلّ جنس من الناس، فلمّا لم يجز أن يكون إلّا هكذا، ولم نجد جنسًا في العالم أشهر من جنس محمّد (صلى الله عليه وآله وسلَّم) - وهو جنس العرب الذي منه صاحب الملة والدعوة الذي ينادى باسمه في كلّ يوم وليلة خمس مرات على الصوامع والمساجد في جميع الأماكن أشهد أن لا إله إلّا الله وأن محمّدا رسول الله، ووصل دعوته إلى كلّ بر وفاجر من عالم وجاهل معروف غير منكر في كلّ يوم وليلة - فلم يجز أن يكون الدليل في أشهر الأجناس، ولما لم يجز أن يكون إلّا في هذا الجنس لشهرته فلم يجز إلّا أن يكون في هذه القبيلة التي منها صاحب الملة دون سائر القبائل من العرب، ولما لم يجز إلّا أن يكون في هذا البيت الذي هو بيت النبي لقرب نسبه من النبي (صلى الله عليه وآله وسلَّم) إشارة إليه دون غيره من أهل بيته، ثم إن لم يكن إشارة إليه اشترك أهل هذا البيت وادعيت فيه، فإذا وقعت الدعوة فيه وقع الاختلاف والفساد بينهم ولا يجوز إلّا أن يكون من النبي (صلى الله عليه وآله وسلَّم) إشارة إلى رجل من أهل بيته دون غيره لئلا يختلف فيه أهل البيت أنه أفضلهم وأعلمهم وأصلحهم لذلك الأمر، وأمَّا الأربعة التي في نعت نفسه فأن يكون: أعلم الخلق، وأسخى الخلق، وأشجع الخلق، وأعف الخلق، وأعصمهم من الذنوب صغيرها وكبيرها، لم تصبه فترة ولا جاهلية، ولا بد من أن يكون في كلّ زمان قايم بهذه الصفة إلى أن تقوم الساعة، فقال عبد الله بن يزيد الأباضي وكان حاضرًا: من أين زعمت يا هشام أنه لابد أن يكون أعلم الخلق؟ قال: إن لم يكن عالمًا لم يؤمن أن ينقلب شرايعه وأحكامه، فيقطع من يجب عليه الحد ويحد من يجب عليه القطع، وتصديق ذلك قول الله (عزّ وجلَّ): ﴿أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلّا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون﴾، قال: فمن أين زعمت أنه لا بد من أن يكون معصومًا من جميع الذنوب؟ قال: إن لم يكن معصومًا لم يؤمن أن يدخل فيما دخل فيه غيره من الذنوب؛ فيحتاج إلى من يقيم عليه الحد كما يقيمه على غيره، وإذا دخل في الذنوب لم يؤمن أن يكتم على جاره وحبيبه وقريبه وصديقه وتصديق ذلك قول الله (عزّ وجلَّ): ﴿إني جاعلك للناس إمامًا قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين﴾ قال له: فمن أين زعمت أنه لا بد أن يكون أشجع الخلق؟ قال لأنه قيمهم الذي يرجعون إليه في الحرب فإن هرب فقد باء بغضب من الله؛ ولا يجوز أن يبوء الإمام بغضب من الله وذلك قوله (عزّ وجلَّ): ﴿إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلّا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير﴾، قال:فمن أين زعمت أنه لابد أن يكون أسخى الخلق؟ قال: لأنه إن لم يكن سخيًا لم يصلح للإمامة لحاجة الناس إلى نواله وفضله والقسمة بينهم بالسوية وليجعل الحق في موضعه؛ لأنه إذا كان سخيًا لم يتق نفسه إلى أخذ شيء من حقوق الناس والمسلمين، ولا يفضل نصيبه في القسمة على أحد من رعيته، وقد قلنا إنه معصوم، فإذا لم يكن أشجع وأعلم الخلق وأسخى الخلق وأعف الخلق لم يجز أن يكون إمامًا.
تنبيه: الخبر الشريف واضح الدلالة بفقراته: بأن الإمام (عليه السَّلام) يجب أن يكون معروفًا بنسبه؛ بحيث يكون: معروف القبيلة، معروف الجنس، معروف النسب، معروف البيت.. والنسب يشمل اسم قبيلته واسم أبيه وأمه.. فدعوى السيّد اليزدي بالمعرفة الإجمالية - ومن اتبعه كالشيخ محمّد تقي الآملي وغيره بأنه " يكفي في التصديق بإمامتهم معرفتهم إجمالًا ولو بعنوان كونهم الأئمة الاثني عشر - فلا يحتاج إلى معرفة أسمائهم وأسماء آبائهم تفصيلًا ولا إلى ترتيب إمامتهم بأن يعلم أن أمير المؤمنين هو أولهم مثلًا -؛ هذه الدعوى تنمُّ عن الجهل بالأخبار والجوس خلال الديار.. فكيف صاروا فقهاء يا أولي الألباب.. ؟!! سبحان ربّك ربّ العزة عما يصفون.. ! يا قائم آل محمّد الغوث الغوث الغوث يا ابن رسول الله وابن أمير المؤمنين وابن الصديقة الكبرى فاطمة البتول.. وابن العسكري المسموم وابن نرجس مليكة الروم.. !!
ومما رواه المجلسي نقلًا عن الشرائع وعيون أخبار الإمام الرضا (عليه السَّلام): في علل الفضل عن الإمام الرضا (عليه السَّلام):".. فإن قال: فلم لا يجوز أن يكون الإمام من غير جنس الرسول؟ قيل: لعللٍ منها: أنه لما كان الإمام مفترض الطاعة لم يكن بُدٌّ [أي لم يكن هناك مفرٌ] من دلالة تدل عليه ويتميز بها من غيره، وهي القرابة المشهورة والوصية الظاهرة ليعرف من غيره ويهتدى إليه بعينه. ومنها: أنه لو جاز في غير جنس الرسول لكان قد فضل من ليس برسول على الرسل، إذ جعل أولاد الرسل أتباعًا لأولاد أعدائه كأبي جهل وابن أبي معيط؛ لأنَّه قد يجوز بزعمه أن ينتقل ذلك في أولادهم إذا كانوا مؤمنين فيصير أولاد الرسول تابعين، وأولاد أعداء الله وأعداء رسوله متبوعين، وكان الرسول أولى بهذه الفضيلة من غيره وأحق. ومنها: أن الخلق إذا أقروا للرسول بالرسالة وأذعنوا له بالطاعة لم يتكبر أحد منهم عن أن يتبع ولده ويطيع ذريته ولم يتعاظم ذلك في أنفس الناس، وإذا كان في غير جنس الرسول كان كلّ واحد منهم في نفسه أنه أولى به من غيره، ودخلهم من ذلك الكبر ولم تسخ أنفسهم بالطاعة لمن هو عندهم دونهم، فكان يكون ذلك داعية لهم إلى الفساد والنفاق والاختلاف".
تنبيه: الخبر الشريف واضح في دلالته من وجوب دلالة تدل عليه ويتميز بها من غيره، وهي القرابة المشهورة والوصية الظاهرة ليعرف من غيره ويهتدى إليه بعينه...فتأملوا يرحمكم الله تعالى.
ومنها ما رواه المجلسي عن بصائر الدرجات: محمّد بن عبد الجبار، عن أبي عبد الله البرقي، عن فضالة، عن عبد الحميد بن نصر قال: قال أبو عبد الله (عليه السَّلام): "ينكرون الإمام المفترض الطاعة، ويجحدون به!!! والله، ما في الأرض منزلة أعظم عند الله من مفترض الطاعة، فقد كان إبراهيم دهرًا ينزل عليه الأمر من الله وما كان مفترض الطاعة حتى بدا لله أن يكرمه ويعظمه؛ فقال: ﴿إني جاعلك للناس إماما﴾ فعرف إبراهيم ما فيها من الفضل فقال: ﴿ومن ذريتي فقال لا ينال عهدي الظالمين﴾ قال أبو عبد الله (عليه السَّلام): أي إنما هي ذريتك لا يكون في غيرهم".
بيان للعلامة المجلسي:
قال: "قوله (عليه السَّلام): وما كان مفترض الطاعة أي كان نبيًا ولم يكن مرسلًا، أو كان رسولًا ولم تعم رسالته لجميع أهل الأرض، أو لم يكن إمامًا مفترض الطاعة لكلّ من يأتي بعده من الأنبياء، وأما قوله (عليه السَّلام) أي إنما هي في ذريتك، فلعل المراد به أن الله تعالى لما علم أنه لا يكون المعصوم إلّا في ذرية إبراهيم (عليه السَّلام) قال: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ أي لا تكون الإمامة إلّا في المعصومين، فلا ينالها غير ذريتك، وعلى هذا التأويل الجواب أشد مطابقة للسؤال، والله أعلم بحقيقة الحال".
ومن ذلك ما رواه المجلسي في البحار عن الصدوق في معاني الأخبار بإسناده: عن إبراهيم بن هارون العبسي، عن ابن عقدة، عن جعفر بن عبد الله، عن كثير بن عياش، عن أبي الجارود قال: سألت أبا جعفر الباقر (عليه السَّلام): بم يعرف الامام؟ قال: "بخصال: أوّلها نصٌّ مِن الله (تبارك وتعالى) عليه، ونصَّبَه عَلَمًا للناس حتى يكون عليهم حجة؛ لأنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم) نصَّبَ عليًّا (عليه السَّلام) وعرَّفَهُ الناسَ باسمه وعينه، و كذلك الأئمة (عليهم السَّلام) ينصِّبُ الأوّل الثانيَ، وأن يُسأل فيجيب، وأن يسكت عنه فيبتدئ، ويخبر الناس بما يكون في غدٍ، ويكلّم الناسَ بكلّ لسانٍ ولغة".
بيان آخر من العاملي:
هذا الحديث الشريف جامع لصفات الإمام (عليه السَّلام) من النص عليه من قبل الله تعالى، وكونه معروفًا باسمه وشخصه، وأنه يجيب عن كلّ مسألة - مهما كان نوعها وجنسها وفصلها - من دون فرق بين العلوم المختصة بمعالم الدين أو غيرها من الموضوعات الصرفة، وأنه يعلم المغيبات بإذن الله تعالى، وأنه يجيد كلّ لغات العوالم الناسوتية والملكوتية حتى لغة الحيوانات والطيور والملائكة والجن والإنس وعامة خلق الله ما يُرى منه وما لا يُرى.. وممّا يدعو إلى الدهشة والاستغراب ما قاله الصدوق (رحمه الله) في تفسيره لتلقي الإمام (عليه السَّلام) المغيبات فقال: "إن الإمام إنما يخبر بما يكون في غد بعهدٍ واصلٍ إليه من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وذلك ممّا نزل به عليه جبرئيل من أخبار الحوادث الكائنة إلى يوم القيامة ". وقد رد عليه العلامة المجلسي برد ممتاز فقال: "الأخبار المتواترة الدالة على كون الإمام محدثًا، وأنه مؤيَّدٌ بروح القدس، وأن الملائكة والروح تنزل عليه في ليلة القدر وغيرها تغني عن هذا التكلّف، وإن كان له وجه صحة، وسيأتي تمام القول في ذلك في أبواب العلم.. ".
نقول: دعوى العلامة المجلسي بقوله" وإن كان له وجه صحة" لا صحة فيه على الإطلاق، بل للإمام (عليه السَّلام) إحاطة تامة بالمغيبات بقدرة الله تعالى فلا داعي للتكلّف والتبرير، فالله الذي أخبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلَّم) عن المغيبات، يمكنه أن يعطيها لوليّه صاحب الولاية التكوينية والمعاجز والكرامات والمعارف اللدنية من دون مَيلٍ أو اعوجاج في إيصال المغيبات عبر النبي، ثم النبي يخبر بها أئمة الهدى (عليهم السَّلام)، وهذا الميل والاعوجاج منشؤه كون علم الإمام إشائيًّا وليس علمًا لدنيًا حضوريًا، قد نفاه ثلةٌ من علماء الشيعة ممّن لا قدرة لهم على الإدراك والبحث في أصول الروايات ودرايتها ومعالجة متشابهها بمحكمها ومجملها بمفصلها.. وقد فصّلنا في كتابنا " شبهة إلقاء المعصوم نفسه في التهلكة ودحضها" نوع العلوم التي يحملها الإمام (عليه السَّلام) فليست علومًا اكتسابية ولا إشائية، بل هي علوم لدنية دفعية حضورية؛ تمامًا كعلم وليّ الله الخضر (عليه السَّلام) الذي حباه الله بالعلم الحضوري بقوله تعالى ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾، ومن المقطوع به في الآيات والأخبار أن علم الإمام (عليه السَّلام) ليس كسبيًا عن طريق إخبار النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلَّم) لا سيّما في مليارات المعلومات الكلّية والجزئية؛ وإلَّا لكان ذلك نقصًا في قابليته وبخلًا في قدرة الله تعالى، وكلّاهما منتفيان عن الله تعالى وعن وليّه. أمَّا أنّه منتفٍ عن الله تعالى؛ فلأنه جواد كريم، وأمَّا انتفاؤه عن الإمام الوليّ لله تعالى فلسعة قابليته (عليه السَّلام) واستيعابه لعلوم الله تعالى والمظهر لعظيم علم الله وسعة قدرته.. فهو مؤيَّد بنور الله تبارك شأنه، ويشهد على ما قلناه ما ورد في بصائر الدرجات للصفار (رحمه الله تعالى) بإسناده عن عمران بن موسى، عن محمّد بن الحسين، عن عبيس بن هشام، عن الحسين بن يونس، عن أبي عبد الله (عليه السَّلام) قال: "إذا أراد الله أن يخلق إمامًا أخذ الله بيده شربة من تحت عرشه فدفعه إلى ملك من ملائكته فأوصلها إلى الإمام فكان الإمام من بعده منها، فإذا مضت عليه أربعون يومًا سمع الصوت وهو في بطن أمه فإذا ولد أوتي الحكمة، وكتب على عضده الأيمن: ﴿وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا لا مبدل لكلّماته وهو السميع العليم﴾، فإذا كان الأمر يصل إليه أعانه الله بثلاثمائة وثلاثة عشر ملكًا بعدد أهل بدر وكانوا معه ومعهم سبعون رجلًا واثنا عشر نقيبًا، فأما السبعون فيبعثهم إلى الآفاق يدعون الناس إلى ما دعوا إليه أولا، ويجعل الله له في كلّ موضع مصباحًا (في نسخة: سراجًا) يبصر به أعمالهم".
ومنها ما رواه المحدّث المجلسي بإسناده عن الشيخ الصدوق في الخصال: عن أبيه، عن محمّد العطار، عن الأشعري، عن الخشاب، عن يزيد بن إسحاق شعر، عن الغنوي ، عن عبد الأعلى قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السَّلام): ما الحجة على المدَّعي لهذا الأمر بغير حقٍّ؟ قال: "ثلاثة من الحجَّة لم يجتمعن في رجل إلّا كان صاحب هذا الأمر: أن يكون أولى الناس بمن قبله، ويكون عنده سلاح رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويكون صاحب الوصية الظاهرة الذي إذا قدمت المدينة سألت العامة والصبيان: إلى من أوصى فلان؟ فيقولون: إلى فلان".
بيان للعلامة المجلسي رحمه الله: قال : "أولى الناس بمن قبله؛ أي: في النسب، أو في الخلطة والعلم والاخلاص، والأول أظهر كما مرّ".
يقول العبد العاملي: [وأمّا قوله (عليه السَّلام)"صاحب الوصية الظاهرة.. "؛ فيُراد به أن الإمام السّابق يوصي إلى ابنه اللاحق، واللاحق إلى ابنه، إلى أن تنهي السلسلة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم)، حيث نصّ عليهم بوحي من الله تعالى ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إلّا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾؛ فيجب أن يكون الأئمة الأطهار (عليهم السَّلام) منصوصًا عليهم من عند الله تعالى، السّابق يوصي إلى اللاحق وهكذا.. وليس انتخابًا اعتباطيًا، وحاشا للإمام السّابق أن ينتخب من عنده اعتباطًا؛ لأنّ هذا خلاف العصمة والتسديد، ولانتفت إذّاك فائدة تنصيبه].
(الإيراد الثالث): من المعلوم - في إثبات النسب الهاشمي لمدّعي السيادة - أنّه لا تُقبل دعواه إلّا بتسلسل نسبه إلى سبعة أو تسعة أجداد من أجداده؛ ليتسنّى للنساب البحث عن بقية السلسلة المتصلة بأحد الأئمة الأطهار (عليهم السَّلام).. فلا تصح سيادته حتى يكون على دراية بأسماء أجداده إلى أن تصل السلسلة إلى أحد الأئمة الأطهار (عليهم السَّلام).. فهل يُعقل حفظ أسماء أجداده لكي تثبت سيادته أو يحافظ عليها، ولا يجب حفظ أسماء من هم أولى بالنسب والحسب وكلّ شيء.. ؟؟!! كلّا ثم كلّا.. ! ومن يجهل اسم جدّه ووالد جده.. يعتبره العرف عاقًّا لأجداده القريبين بالعهد منه، فكيف يكون مصير من يجهل أسماء الحجج الأطهار (عليهم السَّلام) ولا يتجاوز عددهم الاثني عشر إمامًا.. إلّا يعتبر هذا عاقًا لأبيه وجده، بل لأجداده من أولي النعمة عليه وعلى آبائه وأجداده النسبيين، فقد ورد في المستفيض بل المشهور عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم) قال: "أنا وعليٌّ أبوا هذه الأُمّة"؛ فكما تجب معرفة الابن لأبيه وبعض أجداده القريبين، لأنَّ من حقوق الوالد على الابن أن يعرف أباه وجدّه؛ فكذا تجب معرفة النبيّ والحجج الأطهار (عليهم السَّلام) طبقًا لحقوقهم المتوجبة على كلّ فردٍ في الأمة، فقد جاء عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلَّم) قال: "حَقُّ عليِّ بن أبي طالب على هذه الأمة كحق الوالد على ولده"، ومن حقوق الوالد على ولده أن يطيعه ويحسن إليه، وأن يعرف نسب أبيه وعشيرته وكلّ ما يمت إلى الأب بصلة الرحم؛ كمعرفة الأجداد والعمَّات والأعمام.. إلخ؛ فتأملوا.
قال الإمام الرضا (عليه السَّلام) لابن فضّال- في تعليل تسمية الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بأبي القاسم -: «أمَا علمت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم): قال: أنا وعلي أبوا هذه الأمّة؟». قلت: بلى. قال «أما علمت أنه يقال: عليّ قاسم الجنَّة والنار؟». قلت: بلى. قال: « فقيل له: أبو القاسم لأنه أبو قسيم الجنّة والنار" .
وبناءً عليه: فإن الظاهر عندنا هو وجوب معرفة أسمائهم وأسماء آبائهم وأمهاتهم بالتسلسل الترتيبي، وهو شرط في صحة الإيمان، ولا يكفي الإيمان الإجمالي كما ادَّعى من لا تحصيل عنده في المعارف الإلهية؛ فلا تغرنّكم طنطناتهم الفقهية وصرعاتهم الاستدلالية فإنها سحاب مركوم، ظلمات بعضها فوق بعض.. قال الله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ [النور:40].
وأمَّا الدليل الثاني العقلي: فإنّه دليلٌ عقليٌّ محض يتكئ على حكم العقل بوجوب الملازمة بين المعرفة الشرعية بصفاتهم وبين أسمائهم الدالة عليها، ونبيّن ذلك بوجهين هما:
(الوجه الأول): لو اكتُفي بالإيمان الإجمالي بإمامٍ من أهل البيت (عليهم السَّلام) للزم تصحيح إمامة غير الإماميّين من الزيديّة والإسماعيليّة وغيرهم، ولاختل الغرض من النصّ والتعيين الوارد في الأخبار، ولهذا صرّح أعلام الإماميّة بأنّ الواجب هو معرفة الإمام باسمه ونسبه، ليتميّز عمّن ليس بإمام.. وقد أتعب الشيخ الصدوق نفسه بما يُشكر عليه حينما جمع الأخبار الكاشفة عن العلل في تسمية أهل البيت (عليهم السَّلام) بأسمائهم وكناهم وألقابهم بدءًا بأمير المؤمنين وزوجته الطاهرة الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء وبقية أولادها الطاهرين (عليهم السَّلام)، والمنشيء للتسمية هو الله تبارك وتعالى، ممّا يدل بوضوح على أن التسمية مهمة جدًا عقلًا وشرعًا وعرفًا.
(الوجه الثاني): الإيمان الإجمالي يعتبر مخالفةً صريحة للأخبار القطعية الصدور الدالة على التعيين بالعدد والأسماء، والمخالفة تستلزم التكذيب لأقوال وتصريحات النبيّ بأسمائهم وأعيانهم (عليهم السَّلام)، وبالتالي هي تكذيب لله تبارك اسمه وتعالى مجده، والتكذيب يستلزم الكفر والمروق من الدين..
* * * * *
المبحث الثالث:
وجوب معرفة تسلسل أسماء الأئمّة الأطهار (عليهم السَّلام)
ونستدل على ذلك بوجوهٍ ثلاثة هي:
(الوجه الأول): تجب معرفة تسلسل الأئمّة الأطهار (عليهم السَّلام)؛ بحيث يتحقّق به تعيين إمام الزمان وآبائه الطاهرين من دون خلل في الترتيب، لا سيّما في عصر الغيبة الكبرى بحيث يعرف المؤمن آباء الإمام الحُجَّة القائم (عليه السَّلام)، ويتميّز بالمعرفة عن غيره ممّن لا يعرف شيئًا عن الإمام الحجَّة القائم فضلًا عن معرفة آبائه الطاهرين (عليهم السَّلام)؛ إذ لا يمكن معرفة الإمام الثاني عشر إلّا عبر معرفة السلسلة الكاملة للأئمّة الأحد عشر قبله، فبذلك يُعرف الابن من الأب، والأب من الجدّ، وهكذا دواليك.. كما سيتضح ذلك في الوجه الثاني.
(الوجه الثاني): لا تكفي معرفة الأئمة بأسمائهم فقط، بل لا بدّ في كلّ واحدٍ منهم أن يعرف أنَّه مَن هو؟ وابنُ مَن هو؟. فيشترط تعيينه وتمييزه عن غيره، وأن يعرف الترتيب في خلافتهم وولايتهم المقدسة..
وبعبارةٍ أُخرى: تجب معرفتهم على نحو التسلسل النسبي بالأسماء وعلاقة كلّ إمام بسابقه، لترابط اللاحق بالسّابق، فلا يجوز تقديم المتأخر بالاسم على السّابق، وإلَّا لكان اللاحق سابقًا، والسّابق لاحقًا، وهو خلاف الغرض من التنصيب الإلهي تارةً، ولأنَّ عدم الترتيب يؤدي إلى صيرورة الأب ابنًا، والابن أبًا تارةً أُخرى، فمثلًا لو قدَّمنا بالأسماء اسم الإمام الكاظم على الصادق (عليهما السَّلام)، لكان الإمام الكاظم هو والد الإمام الصادق، والصادق (عليه السَّلام) هو ابنه، فلا يُعرف الوالد من الولد على نحو الحقيقة.. فلا يتميَّز كلّ إمامٍ عن الآخر في توليه لإمامة زمانه.. وبالتالي لا بُدَّ من التسلسل في الترتيب ليتميَّز الوالد من الولد.. وليُعرَف ابن من هو؟ وتعداد المؤمن لأسمائهم بالترتيب من علائم الإيمان، بل هو شرط في الإيمان والنكاح، وإلا فلا يُعرف المؤمن من المدّعي، لذا اعتقد المحقق الكركي العاملي بأن التعداد شرط في الإيمان والنكاح، في سؤالٍ وُجِّهَ إليه مقاده: "معرفة تعداد الأئمة (عليهم السَّلام) شرط في صحة عقد النكاح؟ أم يكفي معرفتهم واعتقاد إمامتهم إجمالًا من الزوجين من غير معرفة التعداد على الترتيب أو من غير تعداد مطلقًا؟"، فأجاب (رحمه الله تعالى): "إن كانت الزوجة عارفةً فلا بد من معرفة الزوج"؛ يقصد (رحمه الله) من "معرفة الزوج" معرفة هوية اعتقاده بالأئمة الأطهار (عليهم السَّلام) فيما لو كان الزوجُ المتقدمُ إلى الفتاة للاقتران بها مشكوكَ الاعتقاد، فلا بدَّ من امتحانه بتعداد أسماء الحجج على العباد، باعتبار أن من يؤمن بشيء يجب أن يعرف خصوصياتِه وأركانَه وشروطَ الاعتقاد به، وإلا فإن الجهل بكلّ ذلك خلاف الغرض من دعوى المعرفة المتوجبة عليه.. فكما يحفظ المؤمن أسماء أجداده وجَدّاته، فبطريق أَوْلَى يجب عليه معرفة أئمته الطاهرين الذين هم في الواقع آباؤه الحقيقيون؛ للحديث المتفق عليه"أنا وعليٌّ أَبَوَا هذه الأمة"، ولأنهم أولياء النعم، فمعرفتهم أوجب من معرفة آبائهم النسبيين وأجدادهم وجَدَّاتهم.. وكذلك الحال في وجوب حفظ سورة الفاتحة وسورة أخرى بعدها لتصح صلاته حتى لو كان أميًّا لا يعرف القراءة والكتابة، فإنه يجب عليه التعلم لتحصيل الغرض من أداء الصلاة والتدبر في معانيها كما أمر الله تعالى على لسان الحجج الأطهار (عليهم السَّلام).. والأمر كذلك في مسألة وجوب الاعتقاد بآل محمّد (عليهم السَّلام) بأسمائهم وصفاتهم لكي يميّزهم (عليهم السَّلام) عن غيرهم ممّن يدّعي إمامتهم وولايتهم وهو جاهل بأسمائهم وصفاتهم، فيخرج من دينهم، ويسلك طريق أعدائهم من مذاهب الكفر وفرق الضلالة كالواقفية من الفطحية والإسماعيلة والجارودية والزيدية المعتقدين بإمامة كلّ سيّد هاشمي يخرج بالسيف لجهاد الكفار..
إنَّ اشتراطَ المحقق الكركي العاملي (رحمه الله تعالى) تعداد أسمائهم الشريفة ومعرفة صفاتهم الرفيعة واضحٌ في تمييز المؤمن من غيره؛ فإذا لم يُحسِن تعدادَ أسمائهم فأيُّ إيمان هذا الذي يدَّعيه.. ؟ بل هو شبيه بالعمريين والزيدية من الواقفية والبتريين، أو من الجاهلين المقصّرين الذين يعرفون أخبار ما يجري في السِّند والهند والقارتين الأميريكية والأوروبية وآسيا، وأخبار الجاهليين وقصصهم، ويحفظونها في ذاكراتهم، ولا يعرفون شيئًا عن أئمتهم الطاهرين (عليهم السَّلام)، والمقصِّر كالمتعمد يُعاقب على التقصير في معرفة حجج الله على العباد إلى قيام يوم الدين، ولا إمامة لأحد بعد النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلَّم) إلّا لهم، ولا يستحقها سواهم، وأنهم الحُجَّة على كافة الأنام، وحتى على الأنبياء (عليهم السَّلام)، وأنهم أفضل خلق الله مع نبيه (عليه وآله السَّلام)، فهم الحجج على الأمم الماضية والحاضرة والمخفية - كعالمي جابلقا وجابرسا - وبقية العوالم التي سيخلقها الله تعالى بعد فناء الدنيا، بل هم الشهداء على الأنبياء، والأنبياء (عليهم السَّلام) شهداء الله على أممهم، وأنه بمعرفتهم وولايتهم تقبل الأعمال، وبعداوتهم، والجهل بهم يستحق عدوُّهم والجاهلُ بهم النارَ، فالمؤمنون قليلون في كلّ عصر ومكان، قال الله تبارك ذكره: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: 103]، ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13]، ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هم..﴾ [ص: 24].
(الوجه الثالث): جرت السيرة بين المتدينين على الإقرار بالأئمة الطاهرين (عليهم السَّلام) ومعرفة أسمائهم على وجه منضبط من دون تقديم للّاحق على السّابق، من هنا يلقِّنون موتاهم بتعداد أسماء الأئمة الأطهار (عليهم السَّلام) في قبورهم.. ولقد أصبح ذلك من الضروريات عند دفن موتاهم، ولم نسمع أحدًا من المؤمنين لقَّن ميته بالتلقين الإجمالي، ولو فُرِض حصوله فإنه حالة شاذة صدرت من بعض الشيعة المنحرفين عن الاستقامة والجادّة الوسطى.. فتأمل.
هذا مضافًا إلى أن من أشرف الذكر لله تعالى هو أسماؤهم الشريفة المشتقة من أسماء الله تعالى وصفاته، وكلّ اسم من أسمائهم يعبّر عن الحقيقة الصمدانية والمعاني اللاهوتية السامية؛ لذا كشف إمامنا المعظَّم عليّ الهادي (عليه السَّلام) عن هذه الحقيقة الملكوتية في الزيارة الجامعة الكبيرة بقوله الشريف: "بأبي أنتم وأمّي ونفسي وأهلي ومالي، ذكركم في الذّاكرين، وأسماؤكم في الأسماء، وأجسادكم في الأجساد، وأرواحكم في الأرواح، وأنفسكم في النّفوس، وآثاركم في الآثار، وقبوركم في القبور.. فما أحلى أسماءكم، وأكرم أنفسكم، وأعظم شأنكم،وأجلّ خطركم وأوفى عهدكم، وأصدق وعدكم، كلّامكم نور، وأمركم رشد، ووصيّتكم التّقوى، وفعلكم الخير، وعادتكم الإحسان، وسجيّتكم الكرم، وشأنكم الحقّ والصّدق والرّفق، وقولكم حُكم وحَتم، ورأيكم علم وحلم وحزم.."؛ فالاسم عند ذوي الاختصاص هو الذات المأخوذة مع شأنٍ من الشؤون كالقائم مثلًا - أي الذات التي لوحظ معها صفة القيام - والتي هي شأن من شؤون الذات، والاسم سواء كان مشتقّا من السموّ بلحاظ أن الاسم يوجب رفعة المسمى، وإخراجه عن مكمن الغيبة إلى مظهر العلوّ فيتعلق به الدرك، أو من السمة بمعنى العلامة بلحاظ أن الاسم يدل على علامة للمسمى كما حقق في محله، فقوله (عليه السَّلام): "وأسماؤكم في الأسماء" إن أريد به الإعلام؛ أي: أن أسماءكم العلمية ممتازة بين الإعلام، لدلالته على وجوداتكم المقدَّسة الحاوية لجميع الكمالات، والاسم نحو وجود للمسمى يكسب من المسمى ما له من الصفة إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.
ذكر أحد العلماء في شرحه لفقرة "وأسماؤكم في الأسماء.. " كلّامًا جميلًا فقال: "فقولنا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلَّم) نستبشر منه في القلب حلاوة وسرورًا بلحاظ كونه مرآة لذاته الشريفة، فكأنما ترى الذات في مرآة اللفظ وكذا سائر أسمائهم (عليهم السَّلام)، وهكذا إذا سمعنا أسماء أعدائهم نشمئزّ منها، لما نرى من مرآة الاسم خباثة المسمى ودناءته وقبحه كما لا يخفى"؛ فقوله: " وأسماؤكم في الأسماء " يُراد به أنها ممتازة بكلّ الامتياز، لدلالتها على أقصى الكمالات والمقامات المعنوية، وهذه الأسماء كالنعوت الواردة في الأخبار والقرآن في بيان أحوالهم وصفاتهم، سواء أكان بصيغة اسم الفاعل أم بصيغة فعل بأقسامه كما لا يخفىى، ولقد صنف السيد هاشم البحراني (رضوان اللَّه تعالى عليه) كتابًا سماه باللوامع النورانية في الأسماء القرآنية لمحمّد وآله الطاهرين (عليهم الصلاة والسَّلام) ذكر فيه أسماءهم (عليهم السَّلام) المستفادة من الآيات القرآنية..." فما أحلى أسماءكم " الحلاوة هي ما يلائم في كلّ شيء بحسبه وما يلذّ له، ويستعمل للحسية والمعنوية، فيراد منه أنه حلوّ في السمع أي يجد السمع بالقوة السامعة منها لذة كما تقدم في شرح قوله: " وأسماؤكم في الأسماء" أو يراد منه أنها حلوّ في البصر، فإن الإنسان المؤمن بهم إذا نظر إلى أسمائهم، وانتقل منها إلى حقائقهم الروحية وصفاتهم الحسنة الجميلة فكأنه يراها بعينه، فيستحليها ويجدها حلوة من طريق البصر، أو يراد منه ما قيل من قولهم: حلا الشيء بعيني أي أعجبني وحسن عندي، أو يقال: إنه لما كانت حقيقة أسمائهم (عليهم السَّلام) حقائق معنوية لا لفظيّة فقط بل اللفظ كما علمت اسم الاسم فلا ريب في أن لحقيقتهم التي هي في الواقع أسماؤهم (عليهم السَّلام) لذّة وحلاة، كما في المحكي عن مولاتنا الصديقة خديجة (عليها السَّلام) أنها لمّا وضعت فاطمة (عليها السَّلام) فاح الطيب حتى ملأ جميع الأرض والآفاق كلّها ].
ونحن سوف نذكر بعد قليل شيئًا أهم ممّا ذكره هذا العالم بحق أسماء أهل البيت (عليهم السَّلام) ومدى عظمتها بما هي أسماء بالحمل الأولي الذاتي المنطقي بدءًا بسفينة النبي نوح (عليه السَّلام) وانتهاءً بقصة الشيخ الراحل محمّد الصادقي (رحمه الله)..
ومن أسمائها في تفسير خبر مولاتنا خديجة (عليها السَّلام): الزهراء؛ أي إنها (روحي فداها) كنبتة الورد الأزهر يفوح منه الطيب الذي ينعش العقل والقلب.. فاللفظ دال على المدلول، فحقيقتهم هذه لها لذة تظهر في الوجود وتدركها الحواس، وأسماؤهم اللفظية يدرك حلاوتها اللسان لسلامتها من الغرابة والتعقيد والتنافر، ولأن هيئتها أساس ما يكون من الهيئات عند النطق بها فاللسان والأذن يجدان حلاوتها، إلّا تجد الحلاوة من لفظ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلَّم) وكذا سائر أسماء المعصومين (عليهم السَّلام)؟ وكيفما كان فلذّة لفظ أسمائهم للأذن، وكحلها للعين، ومعناها أي حقائقها للعقل.. وكانت أسماؤهم وما زالت توضع في أحراز لدفع شرور الشياطين من الإنس والجان، وتقرأ على المصروع فيفيق، وقد تلونا منذ أكثر من خمسٍ وعشرين عامًا أسماءَهم على مصروع في إحدى قرى جبل عامل فأفاق وانتعش.. وكان إمامنا أبو جعفر (عليه السَّلام) إذا أصابته وعكة يقف على عتبة داره وينادي جدته الزهراء باسمها فيتعافى.. كما جاء في رواية أَبِي بَصِيرٍ (...) أَنَّه كَانَ إِذَا وُعِكَ اسْتَعَانَ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ فَيَكُونُ لَه ثَوْبَانِ: ثَوْبٌ فِي الْمَاءِ الْبَارِدِ، وثَوْبٌ عَلَى جَسَدِه، يُرَاوِحُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ يُنَادِي حَتَّى يُسْمَعَ صَوْتُه عَلَى بَابِ الدَّارِ: يَا فَاطِمَةُ بِنْتُ محمّد! قَالَ: صَدَقْتَ.. " والرواية هي الآتية: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ (عليه السَّلام) قَالَ: قَالَ لِي: إِنِّي لَمَوْعُوكٌ مُنْذُ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ، ولَقَدْ وُعِكَ ابْنِي اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، وهِيَ تَضَاعَفُ عَلَيْنَا، أشَعَرْتَ أَنَّهَا لَا تَأْخُذُ فِي الْجَسَدِ كلّه، ورُبَّمَا أَخَذَتْ فِي أَعْلَى الْجَسَدِ ولَمْ تَأْخُذْ فِي أَسْفَلِه، ورُبَّمَا أَخَذَتْ فِي أَسْفَلِه ولَمْ تَأْخُذْ فِي أَعْلَى الْجَسَدِ كلّه. قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنْ أَذِنْتَ لِي حَدَّثْتُكَ بِحَدِيثٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ جَدِّكَ أَنَّه كَانَ إِذَا وُعِكَ اسْتَعَانَ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ فَيَكُونُ لَه ثَوْبَانِ ثَوْبٌ فِي الْمَاءِ الْبَارِدِ وثَوْبٌ عَلَى جَسَدِه يُرَاوِحُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ يُنَادِي حَتَّى يُسْمَعَ صَوْتُه عَلَى بَابِ الدَّارِ يَا فَاطِمَةُ بِنْت محمّد، فَقَالَ: صَدَقْتَ، قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، فَمَا وَجَدْتُمْ لِلْحُمَّى عِنْدَكُمْ دَوَاءً؟ فَقَالَ: "مَا وَجَدْنَا لَهَا عِنْدَنَا دَوَاءً إلّا الدُّعَاءَ والْمَاءَ الْبَارِدَ؛ إِنِّي اشْتَكَيْتُ فَأَرْسَلَ إِلَيَّ محمّد بْنُ إِبْرَاهِيمَ بِطَبِيبٍ لَه، فَجَاءَنِي بِدَوَاءٍ فِيه قَيْءٌ فَأَبَيْتُ أَنْ أَشْرَبَه لأَنِّي إِذَا قُيِّئْتُ زَالَ كلّ مَفْصِلٍ مِنِّي" .
وكأنّ فعله (عليه السَّلام) بالكيفية المعينة في الرواية من باب تعليمنا وإرشادنا من جهة، ولأنه حقيقةً بابٌ من أبواب الشفاء عبر التوسل بها بمناداتها باسمها الشريف من جهة أُخرى. وهناك الكثير من الأخبار واضحة الدلالة في الاستغاثة بأسمائهم منها صلاة الاستغاثة بمولاتنا الزهراء (عليها السَّلام)؛ فقد ورد في كيفية صلاة الاستغاثة بالبتول: تصلي ركعتين، ثم تسجد وتقول: "يا فاطمة" مائة مرة، ثم تضع خدك الأيمن على الأرض وقل مثل ذلك، وتضع خدك الأيسر على الأرض وتقول مثله، ثم اسجد وقل ذلك مائة وعشر دفعات، وقل: " يا آمنًا من كلّ شيء وكلّ شيء منكَ خائفٌ حَذِرٌ، أسألك بأمنِكَ مِن كلّ شيءٍ وخوفِ كلّ شيء منك أن تصلي على محمّد وآل محمّد، وأن تعطيني أمانًا لنفسي وأهلي ومالي وولدي، حتى لا أخاف أحدًا، ولا أحذر من شيء أبدًا، إنك على كلّ شيء قدير".
فالغاية من الاستغاثة هو طلب النجاة والسَّلامة بالتوسل باسم مولاتنا الزهراء وأهل بيتها الأطهار (عليهم السَّلام)، ويشهد لهذا دعاء التوسل بالنبي وآله بدعاء التوسل، وهو عبارة عن التوسل بأسمائهم الشريفة، ويضاف إليه دعاء الفرج: "اللهم عظم البلاء.. إلى قوله يا محمّد يا علي.. يا صاحب الزمان.. " وكذلك ما فعله الأنبياء عندما وقعوا في ورطات توسلوا بأسماء أهل البيت (عليهم السَّلام)، وخير شاهد على ما قلنا ما ورد في سيرة النبيّ نوح (عليه السَّلام) لمّا وضع أسماء أهل الكساء في مقدمة السفينة فنجت من الغرق والمهالك، فكانت أسماؤهم الشريفة أمانًا للسفينة من الغرق والهلكة..
سفينة النبيّ نوح (عليه السَّلام) ونجاتها من الغرق؛ بفضل كتابة أسماء أهل الكساء صلَّى الله عليهم أجمعين:
فقد جاء في الأخبار الشريفة:
إنّ جبرائيل (عليه السَّلام) هبط على النبيّ نوح (عليه السَّلام) فأراه هيئة السفينة، ومعه تابوت بها مائة ألف مسمار، وتسعة وعشرون ألف مسمار - فسمر بالمسامير كلّها إلى أن بقيت خمسة - فضرب بيده إلى مسمار، فأشرق وأضاء كما يضيء الكوكب الدري في أفق السماء، فتحير نوح (عليه السَّلام)، فأنطق الله المسمار وقال: أنا على اسم خير الأنبياء محمّد بن عبد الله، فسمَّرَه على أوّلها من جانب السفينة الأيمن. ثم ضرب بيده إلى الثاني، فأشرق وأنار. فقال جبرئيل: هذا مسمار أخيه وابن عمه سيد الأوصياء. فسمره على جانب السفينة الأيسر في أوّلها. ثم ضرب بيده إلى مسمار ثالث فأشرق وأنار وكان مسمار فاطمة، فأسمرها [فسمرها] إلى جانب أبيها، ثم ضرب بيده إلى الرابع، فقال جبرئيل: هذا مسمار الحسن، فأسمره إلى جانب مسمار أبيه، ثم ضرب بيده إلى مسمار خامس فزهر وأنار وأظهر النداوة، فقال جبرئيل: هذا مسمار الحسين، فسمره إلى جانب مسمار أبيه، فقال نوح: يا جبرئيل، ما هذا النداوة؟ فقال: هذا الدم، فذكر قصة الحسين (عليه السَّلام) وما تعمل الأمة به. انتهى ملخَّصًا.
لولا أهل البيت ما سارت سفينة النبيّ نوح (عليه السَّلام):
لقد كان أهل بيت نبينا (عليه وعليهم الصلاة والسَّلام) السبب الحقيقي لحركة سفينة نوح ونجاة أهلها من الغرق والهلاك، ونستعرض مرةً أُخرى رواية من طرق العامة باعتبارها أبلغ في الحجية والاحتجاج على القوم، فقد جاء في حديث رواه الحافظ محب الدين محمّد بن محمود بن النجار البغدادي عن الحسن بن أحمد المحمّدي بسنده: عن أنس بن مالك عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، ورواه السيّد هاشم البحراني مع فائدة جليلة في أن نجاة سفينة نوح (عليه السَّلام) كان بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلَّم) وأمير المؤمنين (عليه السَّلام) وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السَّلام) من طريق العامة:
قال السيِّد الأجلّ أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن الطاووس العلوي الفاطمي في كتاب (أمان أخطار الأسفار) قال: رويت عن شيخي محمّد بن النجار متقدم أهل الحديث بالمدرسة المنصورية وكان يجاريني على مقتضى عقيدته فيما رواه لنا من الأخبار النبوية من كتابه الذي جعله تذييلًا على تاريخ الخطيب فقال في ترجمة الحسن بن أحمد المحمّدي بن محمّد العلوي ما هذا لفظه: حدث عن القاضي أبي محمّد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي وأبي عبد الله الغالبي وبكر بن أحمد بن محمّد، روى عنه أبو عبد الله الحسيني بن الحسن بن زيد الحسيني القصبي أنبأ القاضي أبو الفتح أحمد بن محمّد بن بختيار الواسطي قال: كتبت إلى أبي جعفر محمّد بن الحسن بن محمّد الهمداني قال: أخبرني السيد أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن زيد الحسيني بقراءتي عليه بجرجان قال: حدثنا الشريف أبو محمّد الحسن بن أحمد بن العلوي المحمّدي ببغداد في شهر رمضان من سنة خمس وعشرين وأربعمائة قال: حدثنا القاضي أبو محمّد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد وبكر بن أحمد بن مخلد وأبو عبد الله الغالبي قالوا: حدثنا محمّد بن هارون المنصوري العباسي قال: حدثنا أحمد بن شاكر قال: حدثنا يحيى بن أكثم القاضي قال: حدثنا المأمون عن عطية العوفي عن ثابت البناني عن أنس بن مالك عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلَّم) أنه قال: لما أراد الله (عزّ وجلَّ) أن يهلك قوم نوح (عليه السَّلام) أوحى الله إليه أن شق ألواح الساج، فلمّا شقها لم يدرِ ما صنع، فهبط جبرائيل (عليه السَّلام) فأراه هيئة السفينة ومعه تابوت فيه مائة ألف مسمار وتسعة وعشرون ألف مسمار، فسمر المسامير كلّها في السفينة إلى أن بقيت خمسة مسامير، فضرب بيده إلى مسمار منها فأشرق في يده وأضاء كما يضيء الكوكب الدري في أفق السماء، فتحير من ذلك نوح فأطلق الله ذلك المسمار بلسان طلق ذلق فقال: أنا على اسم خير الأنبياء محمّد بن عبد الله، فهبط جبرائيل فقال له: يا جبرائيل ما هذا المسمار الذي ما رأيت مثله، قال: هذا باسم خير الأولين والآخرين محمّد بن عبد الله (صلى الله عليه [وآله]وسلم) أسمره في أوّلها على جانب السفينة الأيمن، ثم ضرب بيده على مسمار ثان فأشرق وأنار، فقال نوح (عليه السَّلام) وما هذا المسمار؟ قال: مسمار أخيه وابن عمه علي بن أبي طالب فأسمره على جانب السفينة اليسار في أوّلها، ثم ضرب بيده إلى مسمار ثالث فزهر وأشرق وأنار فقال له جبرائيل (عليه السَّلام): هذا مسمار فاطمة (عليها السَّلام) فأسمره إلى جانب مسمار أبيها (صلى الله عليه [وآله] وسلم)، ثم ضرب بيده إلى مسمار رابع فزهر وأنار فقال له: هذا مسمار الحسن فأسمره إلى جانب مسمار أبيه، ثم ضرب بيده إلى مسمار خامس فأشرق وأنار وبكى وأظهر النداوة فقال: يا جبرائيل ما هذه النداوة؟ فقال: هذا مسمار الحسين بن علي سيد الشهداء فأسمره إلى جانب مسمار أخيه. ثم قال النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلَّم) قال الله تعالى: ﴿وحملناه على ذات ألواح ودسر﴾ قال النبي (صلى الله عليه [وآله]): الألواح خشب السفينة، ونحن الدسر، ولولانا ما سارت السفينة بأهلها.
فهذه من خصائص سفينة نوح، وهل هي بحاجة إلى الاهتداء بالنجوم؟! كلّا، ولكنها بحاجة إلى نور النبيّ وآله، من هنا ضرب الله تعالى مثلًا بأهل البيت (عليهم السَّلام) أنهم مثل سفينة نوح بالنجاة، والسفينة تحتاج إلى آل محمّد لتنجو من الغرق، وفي زيارة أمير المؤمنين (عليه السَّلام) في السابع عشر من شهر ربيع الأوّل - وهو يوم مولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلَّم) - قال الشيخ المفيد والشهيد والسيد ابن طاوس في كتاب الاقبال: يوم المولود - أي مولد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم) - المروية عن الإمام الصادق (عليه السَّلام) وقد زار جدَّه أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) في هذا اليوم بهذه الزيارة وعلَّمها لمحمّد بن مسلم الثقفي فقال: إذا أتيتَ مشهد أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) فاغتسِلْ للزيارة، والبس أنظف ثيابك، وشم شيئًا من الطيب، وعليك السكينة والوقار، فإذا وصلت إلى باب السَّلام فاستقبل القبلة وكبر الله ثلاثين تكبيرة وقل: ".. السَّلام عليك يا من رُدَّتْ له الشمسُ فسامى شمعون الصفا، السَّلام عليك يا من أنجى الله سفينة نوح باسمه واسم أخيه حيث التطم الماء حولها وطمى ، السَّلام عليك يا من تاب الله به وبأخيه على آدم إذ غوى، السَّلام عليك يا فلك النجاة الذي من ركبه نجى ومن تأخر عنه هوى، السَّلام عليك يا مَن خاطب الثعبان وذئب الفلا، السَّلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته...".
قصة العلامة الدكتور الشيخ محمّد الصادقي صاحب تفسير الفرقان:
أنقل لكم قصة مهمة تبرز فيها فضيلة الأسماء بما هي أسماء مباركة، فقد روى لنا الشيخ محمّد الصادقي صاحب تفسير (الفرقان) أيام دراستي في قم المقدسة – فقد كنت طالبًا عنده في التفسير، وكان يخصنا بمزيد من العناية، وكنت أزوره في داره -، وذات يوم حدثني عن قصة نجاة مجلد واحد من كتابه "تفسير الفرقان" إبان الحرب في لبنان عام 1975م، فقال لي: كنت بعدما انتهيت من تصنيف تفسيري"الفرقان" في مطلع السبعينات من القرن المنصرم، سلمت النسخة المخطوطة للشيخ الأعلمي صاحب دار مؤسسة الأعلمي لكي يباشر بطبع الكتاب، فطبع الكتاب واحتفظ به في أحد مستودعاته في بيروت على ساحة رياض الصلح، وبدأت الحرب الأهلية في لبنان فأصيب مستودعه بقذيفة فاحترق الكتاب وكلّ ما في المستودع، فاتصل الأعلمي بي – أي: بالشيخ الصادقي – وقال لي: عليك بالمجيء فورًا إلى دار المؤسسة، فهرعت إليه وذهبنا إلى المستودع، فكان منظرًا مهيبًا مرعبًا حيث لم يبق شيء في المستودع، ولكننا فوجئنا بمجلد واحد من كتابي تفسير الفرقان هو الناجي الوحيد من الاحتراق.. ففتحت الكتاب لأتصفح أرواقه فكانت كلّها سليمة، والملفت للنظر أنني عندما كنت أقلب صفحاته وجدت اللوحة المصورة عن أسماء أهل الكساء الخمسة في نفس هذا المجلد حيث كنت قد وضعتها في الكتاب خلال بحثي في التفسير عن سفينة النبي نوح (عليه السَّلام)، وكنت قد صورتها من إحدى المتاحف في بلاد أوروبا.. فتيقنت أن نجاة هذا المجلد بسبب اللوحة المنقوش عليها أسماء أهل الكساء (صلّى الله عليهم أجمعين)..
قال السيّد هاشم البحراني (رحمه الله وأعلى مقامه المبارك) تعقيبًا على خبر السفينة: قال أبو القاسم عقيب هذا الحديث: يقول أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمّد ابن الطاووس مصنف هذا الكتاب: وإنما ذكرت هذا الحديث لأنه يرويه محمّد بن النجار الذي هو من أعيان أهل الحديث من الأربعة المذاهب وثقاتهم ومن لا يتهم فيما يرويه من فضائل أهل البيت (عليهم السَّلام) وعلو مقاماتهم وما رأيت ولا رويته من طريق شيعتهم إلى الآن، فإذا كان نجاة سفينة نوح بأهلها هم، وهم السبب في النجاة، وهم أصل كلّ مَن بقي مِن ولد آدم (صلوات الله عليه)، فلا عجب إذا صلّى الإنسان عليهم عند ركوب كلّ سفينة شكرًا لعلوّ مقاماتهم، وما ظفرنا به من النجاة ببركاتهم، وإن اختار كلّ من ركب في سفينة وخاف من أخطارها ومعاطبها أن يكتب على جوانبها في المواضع التي كانت أسماهم في سفينة نوح (عليه السَّلام) توسلًا وتوصلًا في المظفر بما انتهت في النجاة سفينة نوح (عليه السَّلام) إليه، ويكتبه في رقاع ويلصقها في جوانب سفينة ركوبه، فلا يبعد من فضل الله (جل جلاله) أن يظفر بمطلوبه وإدراك محبوبه إن شاء الله تعالى.
عظمة أسمائهم في مطلع سورة مريم (كهيعص): ولا ننسى توسل النبيّ زكريا أيضًا بأسماء آل البيت (عليهم السَّلام) وقد ذكرها الله في حروفه سورة توسل زكريا بها (عليهما السَّلام) عن مولانا المهدي (عليه السَّلام) في جواب سعد بن عبد الله في حديث طويل: إن زكريا سأل ربه أن يعلمه أسماء الخمسة، فأهبط عليه جبرئيل (عليه السَّلام) فعلمه إياها. فكان زكريا إذا ذكر اسم الحسين (عليه السَّلام) خنقته العبرة ووقعت عليه البهرة، فقال ذات يوم: إلهي ما بالي إذا ذكرت أربعًا منهم تسليت بأسمائهم من همومي، وإذا ذكرت الحسين تدمع عيني وتثور زفرتي؟ فأنبأه الله (تبارك وتعالى) عن قصته وقال: كهيعص فالكاف اسم كربلاء، والهاء هلاك العترة، والياء يزيد وهو ظالم الحسين (عليه السَّلام)، والعين عطشه، والصاد صبره،فلمّا سمع ذلك زكريا (عليه السَّلام) لم يفارق مسجده ثلاثة أيام، ومنع فيها الناس من الدخول عليه، وأقبل على البكاء والنحيب، وكانت ندبته: إلهي، أتفجع خير خلقك بولده؟ أتنزل بلوى هذه الرزية بفنائه؟ إلهي أتلبس عليًّا وفاطمة ثياب هذه المصيبة؟ أتحلّ كربة هذه الفجيعة بساحتهما؟ ثم كأنه يقول: إلهي ارزقني ولدًا تقر به عيني على الكبر، اجعله وارثًا وصيًا، واجعل محله الحسين (عليه السَّلام)، فإذا رزقتنيه فافتني بحبه، ثم افجعني به كما تفجع محمّدًا حبيبك بولده، فرزقه الله يحيى (عليه السَّلام)، وفجعه به، وكان حمل يحيى ستة أشهر وحمل الحسين (عليه السَّلام) كذلك.
ما أعظم النبيّ زكريا (عليه السَّلام) وما أعظم استغراقه بحبّ آل محمّد (عليهم السَّلام) فإنه مميّز من بين الأنبياء (عليهم السَّلام) ، وله درجات وميزات عظمى عند الله تعالى فوق ميزات بقية الأنبياء، ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
ولا ننسى توسل النبيّ آدم (عليه السَّلام) بأسمائم فتاب الله تعالى عليه:
لقد امتاز النبيُّ آدم (عليه السَّلام) بأن الله تعالى جعله خليفة في الأرض وميّزه على الملائكة بإحاطته العلمية وحبّه للنبيّ محمّد وأهل بيته الأطهار (عليهم السَّلام) ﴿وعلّم آدم الأسماء كلّها ثم عرضهم على الملائكة..﴾ ﴿وعصى آدم ربّه فغوى..﴾ ﴿فتلقى آدم من ربّه كلّمات فتاب عليه..﴾ سئل النبي (صلى الله عليه وآله وسلَّم) عن الكلّمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه فقال: "سأله بحق محمّد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلّا تبتَ عَلَيَّ، فتاب عليه"؛ ودلالة هذه الآية ﴿وتلقى آدم من ربه كلّمات فتاب عليه﴾ على إمامة أمير المؤمنين وأهل بيته الطيبين الطاهرين (عليهم السَّلام) أوضح من أن تحتاج إلى بيان، وكذلك توسل شيخ النبيين بأسماء النبي الأعظم محمّد وآله أعظم دليل على فضلهم على جميع العالمين.
وها هنا نريد أن نلفت النظر إلى ماهية الأسماء التي تعلمها آدم (عليه السَّلام) ثم عرضهم على الملائكة فلم يعرفوا حقائقها حتى علّمهم آدم (عليه السَّلام) كما قصّ الله تعالى علينا في آياته الكريمة: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ، وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كلّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بأسماء هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إلّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بأسمائهم فلمّا أَنْبَأَهُمْ بأسمائهم قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [سورة البقرة: 30-33].
فقد استفاضت الأخبار في بيان الآية الشريفة ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كلّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بأسماء هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ والضمير في ﴿هؤلاء﴾ صريح على كونهم الحجج الأطهار (عليهم السَّلام) وليس الأشجار والمعادن ووو.. إلخ، بل هم ذوات عاقلة مدركة لها قدسية وطهارة وقرب من الله تعالى، وهذا ما يميّزهم عن بقية المخلوقات السماوية والأرضية، وهذه الآية نصٌّ صريح في علو شأن الحجج الأطهار وكونهم أولياء الأمور والتدبير، وبها استدل الشيعة على وجوب معرفتهم، وأنهم أئمة وقادة وهداة وحكام وشهداء ورواد.. نروي بعضًا منها لكثرتها بحمد الله تعالى:
1 - فقد جاء في إكمال الدين للشيخ الصدوق بإسناده عن: ابن المتوكلّ، عن الأسدي، عن البرمكي، عن جعفر بن عبد الله، عن الحسن بن سعيد، عن محمّد بن زياد، عن أيمن بن محرز، عن الصادق (عليه السَّلام): "إن الله تبارك و تعالى علم آدم (عليه السَّلام) أسماء حجج الله كلّها، ثم عرضهم وهم أرواح على الملائكة فقال: ﴿أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾ أنكم أحق بالخلافة في الأرض لتسبيحكم و تقديسكم من آدم: ﴿قالوا سبحانك لا علم لنا إلّا ما علّمتنا إنك أنت العليم الحكيم﴾ قال الله تبارك وتعالى: ﴿يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلمّا أنبأهم بأسمائهم﴾ وقفوا على عظيم منزلتهم عند الله تعالى ذكره، فعلموا أنهم أحق بأن يكونوا خلفاء الله في أرضه وحججه على بريته، ثم غيبهم عن أبصارهم واستعبدهم بولايتهم ومحبتهم وقال لهم: ﴿ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون﴾. ثم قال: حدثنا بذلك القطان، عن السكري، عن الجوهري، عن ابن عمارة، عن أبيه، عن الصادق (عليه السَّلام).
2 –تفسير الإمام العسكري (عليه السَّلام) قال (عليه السَّلام): إن الله تعالى لما خلق آدم، وسواه، وعلّمه أسماء كلّ شيء، وعرضهم على الملائكة، جعل محمّدًا وعليًّا وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السَّلام) أشباحًا خمسة في ظهر آدم، وكانت أنوارهم تضيء في الآفاق من السماوات والحجب والجنان والكرسي والعرش، فأمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم، تعظيمًا له أنه قد فضله بأن جعله وعاء لتلك الأشباح التي قد عمّت أنوارها الآفاق، فسجدوا لآدم إلّا إبليس أبى أن يتواضع لجلال عظمة الله، وأن يتواضع لأنوارنا أهل البيت، وقد تواضعت لها الملائكة كلّها، واستكبَرَ وتَرَفَّع، وكان بإبائه ذلك وتكبره من الكافرين.
قال الإمام علي بن الحسين (صلوات الله عليهما): حدثني أبي، عن أبيه، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم) قال: قال: يا عباد الله: إن آدم لما رأى النور ساطعًا " من صلبه إذ كان الله قد نقل أشباحنا من ذروة العرش إلى ظهره رأى النور ولم يتبين الأشباح، فقال: يا رب ما هذه الأنوار؟ قال الله (عزّ وجلَّ): أنوار أشباح نقلتهم من أشرف بقاع عرشي إلى ظهرك، ولذلك أمرت الملائكة بالسجود لك؛ إذ كنتَ وعاءً لتلك الأشباح، فقال آدم: يا رب لو بينتها لي، فقال الله تعالى: انظر يا آدم إلى ذروة العرش، فنظر آدم، ووقع نور أشباحنا من ظهر آدم على ذروة العرش، فانطبع فيه صور أنوار أشباحنا كما ينطبع وجه الإنسان في المرآة الصافية، فرأى أشباحنا فقال: ما هذه الأشباح يا رب؟ فقال الله: يا آدم هذه الأشباح أفضل خلائقي وبرياتي: هذا محمّد وأنا الحميد والمحمود في أفعالي شققت له اسمًا من اسمي، وهذا علي وأنا العلي العظيم شققت له اسمًا من اسمي، وهذه فاطمة وأنا فاطر السماوات والأرض فاطم أعدائي عن رحمتي يوم فصل قضائي، وفاطم أوليائي عمّا يعتريهم ويشينهم فشققت لها اسمًا من اسمي، وهذا الحسن وهذا الحسين وأنا المحسن المجمل شققت له اسمًا من اسمي [الأصح: لهما]، هؤلاء خيار خليقتي وكرام بريتي، بهم آخذ وبهم أعطي وبهم أعاقب وبهم أثيب، فتوسَّلْ إلي بهم يا آدم، وإذا دَهَتْكَ داهيةٌ، فاجعلهم إلي شفعاءك، فإني آليت على نفسي قسمًا حقًا، لا أُخيِّبُ بهم آملًا، ولا أردُّ بهم سائلًا؛ فلذلك حين نزلت منه الخطيئة دعا الله (عزّ وجلَّ) بهم فتاب عليه وغفر له. ثم قال: ﴿وعلم آدم الأسماء كلّها﴾ أسماء أنبياء الله، وأسماء محمّد (صلى الله عليه وآله وسلَّم) وعلي وفاطمة والحسن والحسين والطيبين من آلهما وأسماء خيار شيعتهم وعتاة أعدائهم (ثم عرضهم - عرض محمّدًا وعليًّا والأئمة (عليهم السَّلام) على الملائكة؛ أي: عرض أشباحهم وهم أنوار في الأظلة، ﴿فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾ أن جميعكم تسبحون وتقدسون وأن ترككم ههنا أصلح من إيراد من بعدكم؛ أي: فكما لم تعرفوا غيب من [في] خلالكم فالحري أن لا تعرفوا الغيب الذي لم يكن، كما لا تعرفون أسماء أشخاص ترونها قالت الملائكة: ﴿سبحانك لا علم لنا إلّا ما علّمتنا إنك أنت العليم الحكيم﴾ العليم بكلّ شيء، الحكيم المصيب في كلّ فعل، قال الله (عزّ وجلَّ): ﴿يا آدم﴾ أنبئ هؤلاء الملائكة بأسمائهم: أسماء الأنبياء والأئمة فلمّا أنبأهم فعرفوها أخذ عليهم العهد، والميثاق بالايمان بهم، والتفضيل لهم. قال الله تعالى عند ذلك: ﴿ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض - سرهما - وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون﴾ [و] ما كان يعتقده إبليس من الإباء على آدم إن أمر بطاعته، وإهلاكه إن تسلط عليه، ومن اعتقادكم أنه لا أحد يأتي بعدكم إلّا وأنتم أفضل منه، بل محمّد وآله الطيبون أفضل منكم، الذين أنبأكم آدم بأسمائهم.
والحاصل: الأخبار اختلفت في تحديد ماهية هذه الأسماء: هل هي الجزئيات الكونية وعامة الموجودات أم أنها أسماء أفراد مطهرين ومقدسين لهم وجاهة عند الله تعالى.. ؟ بعض المفسرين الشيعة ذهبوا إلى القول الأوّل لورود روايات تؤيده ، ونحن معهم في ذلك ولكننا نعمم بالأخذ، إذ لا يمنع العقل والشرع من الأخذ بالقول الثاني لورود روايات كثيرة أيضًا تؤيده وتصر عليه ، فمقتضى الفقاهة هو الجمع بين الأخبار الكاشفة عن القولين، وطرح القول الثاني غير جائز على الإطلاق؛ وذلك لاندراج أسمائهم ضمن أسماء الأشياء ومسمياتها من جهة، ولأن القول الثاني فيه دلالات واضحة على بيان أسماء الحجج الأطهار (عليهم السَّلام) الدالّ على أوصافهم ومعانيهم من جهةٍ أُخرى، وإلّا فإنّ الأسماء من دون بيان معانيها تفقد قيمتها، وبهذ البيان يندفع ما قاله الشيخ الطبرسي في مجمع البيان: ﴿وعلم آدم الأسماء﴾ أي: علمه معاني الأسماء، إذ الأسماء بلا معان لا فائدة فيها، ولا وجه لإشادة الفضيلة بها؛ إذ كيف يعلّم الله تعالى آدم (عليه السَّلام) معاني الأسماء دون أساميها، وهل يتصور أحد بأن الله تعالى علّمه أوصاف الحجج ومناقبهم وفضائلهم من دون أن يشير إليه باسم كلّ واحد منهم؟!.. شيء غير معقول ومخالف للأخبار الكاشفة عن أسمائهم الدالة على ذواتهم وخصائص كلّ واحد منهم!!... لذا يُرجى التأمل والتدقيق..
وبتعبيرٍ آخر: إن المخالفين مالوا إلى القول الأوّل كما مال إليه بعض الشيعة وهو أن الله تعالى علّم آدم الأسماء؛ أي: الأسرار الكونية والموضوعات التي يتوقف عليها حكمٌ شرعيٌّ، وذلك أنه سبحانه وتعالى إذا علّم آدم الأسماء كلّها من دون تحديد لأفراد معينين حسبما قال المخالفون :".. أودع في نفسه علم جميع الأشياء من غير تحديد ولا تعيين، فالمراد من الأسماء المسمّيات عبّر عن المدلول بالدليل لشدّة الصلة بين المعنى واللفظ الموضوع له.. إلى أن قال: علّم اللّه آدم كلّ شيء، ولا فرق في ذلك بين أن يكون له هذا العلم في آن واحد، أو في آونة متعدّدة، واللّه قادر على كلّ شيء، ولأجل تلك المكانة جعله اللّه خليفة في الأرض، وأمر الملائكة بالسجود له"، وفي مقابل رأي رشيد رضا ثمة قول مشهور عند العامة العمياء ينسبون فيه الجهل لرسول الله في الموضوعات وأسرار الطبيعية ورموزها والطب وشؤون الحرب.. إلخ، ذلك كلّه لكي يصححوا مقالة عمر بن الخطاب حينما نعت النبيَّ بالهجر لمّا طلب منهم النبيُّ أن يأتوه بدواة وكتف...واستدلوا على جهل النبيّ بأسرار الطبيعة بعدة روايات مختلقة لا واقع لها في حياة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلَّم) تحت ستار أنّ سبيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلَّم) في هذه الأُمور كسبيل سائر الناس يجتهد ويخطئ؛ كما اجتهد عمر فأخطأ، وكما اجتهد خالد بن الوليد فقتل مالك بن نويرة، ثم تأوَّل له أبو بكر بقوله (لعنه الله): "لقد تأوّل خالد فأخطأ".. قال مناع القطان - أحد العلماء المعاصرين - صاحب كتاب "تاريخ التشريع الإسلامي": [إنّ النبي يجتهد في شؤون الزراعة والطب والصناعات الدنيوية، وهو اجتهاد بشري عادي كغيره من البشر يخطئ ويصيب فيه باعتباره من الأمور الدنيوية التي لا وحي فيها، مستدلًا بحديث تأبير النخل، فنهاهم عنه ثم أقره بعد ذلك بعد أن تبيّن له الصواب ولذا قال في تأبير النخل: "أنتم أعلم بأُمور دنياكم". وبعبارة أُخرى له: "إن النبيَّ نصحهم بعدم تلقيحه اجتهادًا منه، ثم تبيّن خلاف ذلك؛ حيث لم يكن لديه معرفة بالزراعة والفلاحة، ففي الصحيحين أنّ النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلَّم) مرّ بقوم يلقحون النخيل، فقال: "لو لم تعملوا لصلح" قال: فخرج شيصًا (تمر رديء) فمرّ بهم، فقال: " ما لنخلكم؟ " قالوا: قلت كذا وكذا، قال: "أنتم أعلم بأُمور دنياكم"، وفي بعض الروايات أنه قال: "إنما أنا بشرٌ، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشرٌ "] .
والطامة الكبرى أن ابن قيّم الجوزيّة جعل النبيَّ مفتيًا يفتي، فتارةً يصيب وتارةً يخطئ، لذا فهو عقد فصلًا بيّن فيه فتاوى النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم) فقال: [ولنختم الكتاب بذكر فصول يسيرٌ قَدرُها، عظيمٌ أمرُها من فتاوى إمام المفتين ورسول ربّ العالمين تكون روحًا لهذا الكتاب، ورقمًا على جلة هذا التأليف..]، فذكر أحاديثه وكلماته في العقائد والأحكام باسم الفتوى، فيتبادر إلى الذهن أنّه كان يفتي كالآخرين مع أنّه (صلى الله عليه وآله وسلَّم) كان يرشد الناس لحكم اللّه سبحانه بطرق مختلفة، فالإفتاء في كلامه (صلى الله عليه وآله وسلَّم) كالإفتاء في قوله سبحانه: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ﴾.
وإليكم بعض الأحاديث المكذوبة على رسول الله في أنه يخطئ ويصيب: فقد روى مسلم :
1 - عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال: مررت ورسول اللّه (صلى الله عليه [وآله] وسلم) بقوم على رؤوس النخل، فقال: "ما يصنع هؤلاء؟ " فقالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الأُنثى فتلقح، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلَّم): "ما أظن يغني ذلك شيئًا"، فأخبروا بذلك، فتركوه، فأخبر رسول اللّه بذلك، فقال: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإنّي إنّما ظننت ظنًا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدّثتكم عن اللّه شيئًا فخذوا به، فإنّي لن أَكذب على اللّه (عزّ وجلَّ)" .
2 - وروى عن رافع بن خديج، قال: قدم نبي اللّه المدينة وهم يأبرون النخل يقولون: يلقحون النخل فقال: "ما تصنعون؟ قالوا: كنّا نصنعه، قال: " لعلّكم لو لم تفعلوا كان خيرًا " فتركوه، فنقصت قال: فذكروا ذلك له، فقال: "إنّما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنّما أنا بشر".
3. قال السيوطي : لمّا توفّي عبد اللّه بن أُبيّ أتى ابنه عبد اللّه رسول اللّه يسأله أن يعطيه قميصه ويكفّنه فيه، فأتاه، ثمّ سأله أن يصلّي عليه، فقام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلَّم)، فقام عمر بن الخطاب فأخذ ثوبه، فقال: يا رسول اللّه أتصلّي عليه وقد نهاك اللّه أن تصلّي على المنافقين؟! فقال: "إنّ ربي خيّرني فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ﴾ وسأزيد على السبعين"، فقال: إنّه منافق فصلّى عليه، فأنزل اللّه تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَد مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ فترك الصّلاة عليهم.
وفي هذا المعنى روايات أُخرى رواها أصحاب الجوامع، ورواة الحديث عن عمر بن الخطاب وجابر وقتادة، وفي بعضها: أنّه كفّنه بقميصه، ونفث في جلده، ونزل في قبره.
وفي رواية أُخرى قال عمر فيها: يا رسول اللّه قد عرفت عبد اللّه ونفاقه أتصلّي عليه وقد نهاك اللّه أن تصلّي عليه؟ فقال: وأين؟ فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ﴾ قال: فإنّي سأزيد على سبعين، فأنزل اللّه: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَد مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ الآية، قال: فأرسل إلى عمر فأخبره بذلك، وأنزل اللّه: ﴿سواء عَلَيْهِمْ استَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفر لَهُمْ﴾.
ولا ريب في أن هذه الروايات مكذوبة على النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلَّم) وحاول رواة هذا الحديث تعظيم أمر الخليفة المزعوم عمر بن الخطاب بما يمسّ كرامة النبي الأعظم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون، وليس هذا بجديد عليهم، فقد رووا في عدة أخبار ما يشبهه حيث نقلوا:
1. أنّ الخليفة المزعوم عمر بن الخطاب رأى أن تحجب نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلَّم) فنزل القرآن بموافقته.
2. رأى الخليفة أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلّى، فنزل القرآن بموافقته.
وغيرها من عشرات الروايات الملفقة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم) لتبرير جرائم وفظائع العابثين تحت شعار أنهما أخطآ كما أخطأ رسول الله، بل جعلوا لعمر مكانة من القداسة لم يجعلوها لرسول الله محمّد (صلَّى الله عليه وآله).. ! إضحك يا تاريخ.. !!
عودٌ على بدء: لا يهم اختلاف الروايات حول تحديد ماهية تلك الأسماء التي تعلّمها آدم (عليه السَّلام) من ربّه تبارك مجده، ولا تعارض فيما بينها على الإطلاق، فتحمل الروايات الدالة على أن تلك الأسماء المقدسة هي أسماء النبي وأهل بيته الأطهار (صلوات الله عليهم أجمعين) فلا محالة أن أسماء الأئمة المطهرين (عليهم السَّلام) داخلة في تلك الأسماء والأسرار الكونية والمعارف الصمدانية.. ونِعمَ ما أجاد به الشيخ الصدوق (رحمه الله) ؛ حين قال:
[ وسأخرج ذلك في هذا الكتاب مسندًا في موضعه إن شاء الله، فصح أن قوله (عزّ وجلَّ): ﴿وعلم آدم الأسماء كلّها﴾ أراد به أسماء الأئمة (عليهم السَّلام)، وللأسماء معان كثيرة، وليس أحد معانيها بأولى من الآخر، وللأسماء أوصاف، وليس أحد الأوصاف بأولى من الآخر، فمعنى الأسماء أنه سبحانه علَّم آدم (عليه السَّلام) أوصاف الأئمة كلّها أوّلها وآخرها، ومن أوصافهم: العلم والحلم والتقوى والشجاعة والعصمة والسخاء والوفاء، وقد نطق بمثله كتاب الله (عزّ وجلَّ) في أسماء الأنبياء (عليهم السَّلام) كقوله (عزّ وجلَّ): ﴿واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقًا نبيًا﴾، ﴿واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولًا نبيًا وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيًا، واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقًا نبيًا ورفعناه مكانًا عليًّا﴾ وكقوله (عزّ وجلَّ): ﴿واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصًا وكان رسولًا نبيًا، وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيًّا، ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيًّا﴾ فوصف الرسل (عليهم السَّلام) وحمدهم بما كان فيهم من الشيم المرضية والأخلاق الزكية، وكان ذلك أوصافهم وأسماءهم كذلك علم الله (عزّ وجلَّ) آدم الأسماء كلّها].
وبالجملة: فإن أسماءهم تعكس عن ذواتهم المقدسة التي تعكس عن جمال الحق المتعال، فهي مرآة الجلال والكمال؛ فكيف لا يأنس المؤمن بها ويحفظها بعقله وقلبه بدلًا من حفظه لأسماء معارفه ومحبيه ومريديه.. ؟! وما نجاة سفينة نوح (عليه السَّلام) ونجاة الجزء الخاص من تفسير الشيخ الصادقي سوى للدلالة على عظمة أسمائهم التي هي أمان من الهلكة والحرق والغرق.. فتأملوا رحمكم الله تعالى.
وبناءً عليه: فإنّ معرفة التسلسل ليست أمرًا تاريخيًّا محضًا، بل هي جزءٌ من المعرفة العقديّة اللازمة لتشخيص الحجّة المعصوم (عليه السَّلام) عن غيره ممّن سبقه.
سؤال: هل ألقابهم الشريفة ملحقة بأسمائهم ولها نفس الحكم.. ؟
الجواب: نعم، إنّ كناهم وألقابهم الشريفة الخاصة بهم، لها نفس الحكم؛ وهو وجوب معرفتها، لا سيّما المرتبطة بأسمائهم الخاصة كالمرتضى والمجتبى الحسن والمصفى والحسين الشهيد والسجاد عليّ، والباقر محمّد، والصادق جعفر، والكاظم موسى، والرضا عليّ، والجواد محمّد، والهادي عليّ، والعسكري الحسن، والقائم محمّد.. ويلحق بهم مولاتنا الصدّيقة الكبرى فاطمة بعامة ما يتعلق بأسمائها وألقابها وكناها وصفاتها.. وهكذا الحال في الحكم عندنا بابنتها الصدّيقة المعظَّمة زينب الكبرى (عليها وعلى أمها وأبيها وإخوتها آلاف الصلوات التامات والتسليمات الزاكيات).. وهي ألقاب وكنى مأخوذة من الأخبار المباركة، ونقلها الرواة الأصحاب تلامذة الأئمة الهداة الأطهار عنهم (عليهم السَّلام)، وقد أدرجها أصحاب الأئمة (عليهم السَّلام) طبقًا لألقابهم التي بثها الأئمة الأطهار (عليهم السَّلام) في طيّ أحوالهم الشريفة، وليس صحيحًا ما ادَّعاه أحد المتأخرين من أن بعض الألقاب والكنى الخاصة بهم هي من إنشاء بعض الرواة المعاصرين لعهود الأئمة الأطهار (عليهم السَّلام)، فإنها دعوى لا شاهد عليها من رواية أو دليل قطعي.. ! قال ذاك المشكك بعد أن اعترف بأن بعض الألقاب والكنى مأخوذة من الأخبار: "فإنما أخذوه من أصحابهم (عليهم السَّلام)، وتلقوه من رواياتهم، وهذه الألقاب والكنى بعضها كأساميهم الشريفة التي تلقوها منهم (عليهم السَّلام)، وبعضها من أصحابهم - على ما يظهر من مطاوي الأخبار - عبروا به عنهم لبعض الحكم، منها التقية في أيام اشتدادها، كالتعبير عن أمير المؤمنين (عليه السَّلام) بأبي زينب في أيام بني أمية، وولاية زياد والحجاج، وعن الحُجَّة (عليه السَّلام) بالغريم، كما صرح به الشيخ المفيد (قدس سرّه) في الإرشاد، ومنه التعبير عن الكاظم (عليه السَّلام) بالعالم ".
وقد فنَّد دعواه العلامة السيّد الخوانساري بقوله (رحمه الله): "وممّا فصلناه سابقًا يظهر لك أن احتمال وقوع ذلك اللقب في ذلك الكتاب على سبيل التقية في غاية البعد" وأيده العلامة النوري الطبرسي بقوله: "وفي كلامه مواقع للنظر، وقبل الإشارة إليها لا بدّ من الإشارة إلى مقدمة هي: أن كلّ ما وقع التعبير به في أسانيد الأخبار بالنسبة إلى الحجج الطاهرين (عليهم السَّلام) من الأسامي، والألقاب والكنى، فهو ممّن وقع في آخر السند من رجاله، الذي يتلقى متن الخبر منه، وهو صاحب التعبير عن الإمام بما اقتضاه المقام من أساميهم وألقابهم الشريفة لا من صاحب الكتاب الذي أخرج الخبر في كتابه، بل لا من بعض من وقع في وسط السند، لو فرض أن صاحب الكتاب أخرج الخبر من كتابه، ومنه علم الناس جملة من ألقابهم وأدرجها الأصحاب في طيّ أحوالهم".
نضيف إلى ما ذكراه (رحمهما الله تعالى): من أين جاؤوا بدعوى أن ألقابهم كانت من صنع الرواة تقيةً.. ؟ فإنها دعوى بحاجة إلى دليل روائي قطعي الصدور أو مظنون الصدور، وليس في الأخبار ما يدل على ما ادّعوه من التقية.. بل الصّواب هو أن المنشِئ لأسمائهم وألقابهم الشريفة هو الله تبارك ذكره..
يقصد العلامة الخوانساري - على سبيل التقية في غاية البعد - بأن هاتيك الألقاب لم ينشئها الرواة من عند أنفسهم تقية وخوفًا من الظالمين، بل هي من إيحاء الأئمة الهداة المهديين بثّوها بين أصحابهم لينشروها بين المؤمنين، وكلّ لقب وكنية خاصة بهم (عليهم السَّلام) له معنى ومغزى وحكمة.. فلا يجوز نسبة وضعها إلى أصحاب الأئمة الهداة المهديين فإنه تقوّلٌ عليهم وافتراءٌ، بل يدخل في باب البدع والأقيسة والاستحسانات.. !! فأصحابهم نقلة عنهم وليسوا مؤسسين ومبتدعين.. !
الأصل في الأسماء والألقاب والكنى كونها توقيفية:
لو فرضنا جدلًا أنَّ بعض الألقاب والكنى استحدثت على مدى عقود من الزمن، فإن لها منشأً عقلائيًا وشرعيًا تتكئ عليه وتركن إليه، بمعنى أن هناك سببًا منطقيًا أو قاعدة عقلية وشرعية، أو مبدأً يرتكز عليه أمرٌ ما فيجعله مقبولًا أو مفهومًا عند العقلاء والمتديِّنين، وبالتالي استخدمت بعض هذه الألقاب والكنى لبيان أن حكمًا ما له أساسٌ عقليٌّ وشرعيٌّ يُدرَك بالبصيرة والتفكير، وليس مجرد بدعة أو تقليد من دون وعي أو تفكير.. وكونها ذات منشأ لا يعني بالضرورة أنها من تأسيس الأصحاب من عند أنفسهم، بل الصحيح هو أنها مأخوذة من مصدر غيبي لم يبُح به الأصحاب؛ على فرض أنهم أطلقوها في بعض الأخبار.. ولعلَّ منشأها رؤيا الأئمة الأطهار (عليهم السَّلام) في المنام، أو لعلّهم (عليهم السَّلام) ألقوها جهرًا لأصحابهم ليبثّوها، أو لعلَّ الأصحاب وجدوها في الروايات التي كانت متداولة بينهم ثم اختفت، فظنّ بعض العلماء أنها من مستحدثات الأصحاب دون وحيٍ من الأئمة الأطهار (عليهم السَّلام)..
وبعبارةٍ مختصرة: إن معنى المنشأ العقلائي يراد منه أن هناك علّة أو حكمة عقلية تجعل هذه الألقاب والكنى سائغةً أو مقبولة لدى المؤمنين، ولكنَّ ذلك لا يضر بعموم الألقاب والكنى لهم (عليهم السَّلام) والمشهورة شهرة عظيمة في الوسط الشيعي منذ عهود الأئمة الأطهار (عليهم السَّلام)، والأصل فيها أنها من الأمور التوقيفية التي أنشأها المشرِّع الحقيقي؛ وهو الله تعالى ومن ثم المعصوم (عليه السَّلام)، وفي حال دار الأمر بين الحقيقة التوقيفية وبين الاستحداث، فالأصل يقتضي كونها توقيفية حتى يثبت العكس..
ومعنى كونها توقيفية: أن الله تعالى هو الذي منحهم إياها، وأتحفهم بها، كرامةً منه لهم، ودلالة على حقيقة ميزاتهم، فأكثر ألقابهم توقيفية بإيحاء من الله تعالى، نقل العلامة السيّد جعفر مرتضى العاملي عن أحد العلماء الذين صنفوا في أسماء وألقاب أهل البيت (عليهم السَّلام) أنَّه قال: "فاعلم أن أكثر أسماء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وألقابه التي خصه الله بها، ليست للتعريف والعَلَميَّة فقط، وإنما هي لتعظيمه وتبجيله (صلى الله عليه وآله وسلَّم) وكذلك الكلام في كثرة أسماء حجج الله، أئمة المؤمنين الاثني عشر من أهل بيته، وألقابهم التي أوحى الله تعالى بها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فإنها كلّها تنبئ عن مثوبتهم أو مكانتهم عند الله، واستحقاقهم التحميد والتشريف لديه تعالى الخ.." ..
ثم ادَّعى السيّد جعفر مرتضى أن الصدوق وغيره رووا العديد من الأحاديث عن أئمة الهدى (عليهم السَّلام) حول أسباب إطلاق تلك الألقاب على عدد من الأئمة (صلوات الله وسلامه عليهم)، فيظهر من بعضها: (أن الناس أيضًا قد رأوا في الأئمة أسبابًا تدعوهم إلى إطلاق تلك الألقاب نفسها عليهم.. )، ولكنّه لم يذكر لنا المصدر الذي نقله عن الصدوق مع أنه كعادته يكثر من تعداد المصادر.. !! وقد تقدم أعلاه الإيراد عليه في نفس الإيراد على غيره فلا نعيد. نعم ورد في أحد الأخبار عن محمّد بن جمهور، عن صفوان، عن ابن مسكان قال: سألت الشيخ (عليه السَّلام) عن الأئمة (صلى الله عليه وآله وسلَّم) قال: "مَن أنكر واحدًا من الأحياء فقد أنكر الأموات.". كما ورد نظيره في الكافي عن أحمد عن الحسين، عن محمّد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن عبد الكريم بن عتبة قال: سألت الشيخ (عليه السَّلام) عن الرجل يستيقظ من نومه ولم يبل أيدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها قال: "لا، لأنه لا يدري أين كانت يده فيغسلها".
المفسرون للخبر الأوّل المنتهي بابن مسكان أطلقوه على الإمام الصادق (عليه السَّلام) باعتباره كان يروي عنه، بينما الراوي في الخبر الثاني كان يروي عن الإمامين الصادق والكاظم (عليهما السَّلام)، وإن كان ابن مسكان من الرواة أيضًا عن الإمام الكاظم (عليه السَّلام) وقد توفى في عهد الإمام الكاظم (عليه السَّلام)، إلّا أن التعبير بالشيخ عن الإمام الصادق (عليه السَّلام) أوفق منه إطلاقًا على الإمام الكاظم (عليه السَّلام) باعتبار أن الإمام الكاظم (عليه السَّلام) عاصر الدولة العباسية التي خف الضغط فيها على الإمام الكاظم في مراحلها الأولى، ومن المحتمل إلصاق اللقب عليه من باب التقية من ابن مسكان، ولكنَّ السؤال هو الآتي: هل أن هذا اللقب من صنع الراويَيْن: ابن مسكان وابن عتبة.. ؟ الأصل يقتضي القول بأنه من المعصومين أوحوا به لبعض أصحابهم إطلاقه عليهم، والزائد عن ذلك محكوم بالنفي لأصالة العدم.. فما أفاده العلامة السيّد جعفر مرتضى نقلًا عن الشيخ الصدوق يبقى مجرد دعوى من دون برهانٍ معتدٍّ به.. فتأمل.
والحاصل: ثمة أسباب متعددة لمصدر هذه الأسماء والألقاب - مأخوذة من الأخبار - تشير إلى أن تلك الألقاب توقيفية أخبر بها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلَّم) عن الله تعالى مباشرةً أو عن بعض الكتب السماوية، أو أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلَّم) طلب من بعض أصحابه أن يطلقوا بعضها على أهل بيته الأطهار (عليهم السَّلام)، أو أن الله سبحانه هو الذي سماهم بتلك الأسماء، أو أن جبرئيل (عليه السَّلام) قد جاءهم بها.. وكلّ هذه الأقوال مردها سبب واحد هو الله الذي سماهم بهذه الأسماء والألقاب والكنى.. وحتى الأسماء والألقاب التي سماهم الناس بها لم تكن من مخترعاتهم، بل هي مقتنصة من سيرتهم العملية المتوافقة مع النصوص التوقيفية القطعية، وأن الله تعالى هو المنشِئ لها لا غير؛ ويشهد لهذا ما جاء في رواية معمر بن خيثم قال له الإمام أبو جعفر (عليه السَّلام) – أي الباقر -: "ما تُكَنَّى؟!"، قال: ما اكتنيت بعد، وما لي من ولد ولا امرأة، ولا جارية، قال: "فما يمنعك من ذلك؟!"، قال: قلت: حديث بلغنا عن عليّ (عليه السَّلام)، قال: من اكتنى وليس له أهل، فهو أبو جعر. فقال أبو جعفر (عليه السَّلام): "شوه، ليس هذا من حديث عليّ (عليه السَّلام)، إنَّا لَنُكنّي أولادَنا في صغرهم مخافةَ النبز أن يلحق بهم".
قال بعضهم: في بعض النسخ: أبو جيفر. قال في القاموس: الجيفر الأسد الشديد. وفي بعضها "أبو جعر" وكذا في الكافي أيضًا، وهو الظاهر؛ أي: هو أحمق دنيٌّ لا يُعبأ به.
وفي القاموس: الجعر ما يبس من العذرة في المجعر؛ أي: الدبر، أو نجو كلّ ذات مخلب من السباع. قوله: شوه؛ أي: قبحًا لهم أو بُعدًا لهم. وفي بعض نسخ الكافي "سوءة"، وفي القاموس: شاه وجهه شوهًا وشوهة قبح كشوه كفرح، فهو أشوه وشوهه الله قبح وجهه، والشوهة بالضم البعد. قوله (عليه السَّلام): مخافة النبز أن يلحق بهم؛ أي: إنما نكني لئلّا يشتبه الاسم بالاشتراك، فيحتاجون إلى الألقاب الرديئة للامتياز، كالقصير والطويل والأسود وأمثالها.
فالرواية واضحة الدلالة على أن ألقابهم الشريفة لم تأتِ من الأصحاب، ولا من أيّ مصدر آخر، بل كانت من صنع الله تعالى، أوحاها إلى آبائهم ليثبتوها على أبنائهم (عليهم السَّلام).
وعلى سبيل المثال نعرض نموذجين للتأكيد على الوحي في تسميتهم:
(الأول): ما جاء في معاني الأخبار للصدوق بإسناده حدثنا أحمد بن الحسن القطان، قال: حدثنا الحسن بن علي السكري، قال: حدثنا محمّد بن زكريا الجوهري، قال: حدثنا العباس بن بكار، قال: حدثنا عباد بن كثير وأبو بكر الهذيلي، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: لما حملت فاطمة (عليها السَّلام) بالحسن فولدت، وقد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلَّم) أمرهم أن يلفّوه في خرقة بيضاء، فلفوه في صفراء، وقالت فاطمة (عليها السَّلام): "يا عليّ سَمِّه"، فقال: "ما كنت لأسبق باسمه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم)"، فجاء النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلَّم) فأخذه وقبَّله وأدخل لسانه في فِيهِ، فجعل الحسن (عليه السَّلام) يمصُّه، ثم قال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم): "ألم أتقدّم إليكم أن تلفوه في خرقة بيضاء؟"، فدعا بخرقة بيضاء فلفَّه فيها ورمى بالصفراء، وأذّن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، ثم قال لعليّ [أمير المؤمنين] (عليه السَّلام): "ما سميتَه؟"، فقال: "ما كنت لأسبقك باسمه"، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "ما كنت لأسبق ربي باسمه"، فأوحى الله (جل ذكره) إلى جبرئيل (عليه السَّلام) أنه: قد ولد لمحمّد ابن فاهبط إليه فأقرئه مني السَّلام، وهنئه مني ومنك، وقل له: "إن عليًّا منك بمنزلة هارون من موسى فسمِّه باسم ابن هارون"، فأتى جبرئيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلَّم) وهنأه وقال له [ك] ما أمره الله تعالى به أن يسمي ابنه باسم ابن هارون، قال: "وما كان اسمه؟"، قال: "شبر"، قال: "لساني عربي"، قال: "سمِّه الحسن"، فسماه الحسن، فلمّا ولدت الحسين (عليه السَّلام) جاء إليهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلَّم) ففعل به كما فعل بالحسن (عليه السَّلام) وهبط جبرئيل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلَّم) فقال: "إن الله (عزّ وجلَّ) ذكره يقرئك السَّلام ويقول لك: "إن عليًّا منك بمنزلة هارون من موسى فسمِّه باسم ابن هارون"، قال: "ما كان اسمه؟"، قال: "شبير"، قال: "لساني عربي"، قال: "سمه الحسين"، فسماه الحسين (سلام الله عليه).
(الثاني): ما جاء في تسمية مولاتنا الصدّيقة زينب (عليها السَّلام) بهذا الاسم الشريف لم يكن اعتباطيًا بل كان بأمرٍ من الله تعالى ومضمونه هو الآتي:
لمّا ولدت زينب (عليها السَّلام) جاءت بها أمها [الصدّيقة الكبرى] الزهراء (سلام الله عليها) إلى أبيها أمير المؤمنين (عليه السَّلام) وقالت: "سمِّ هذه المولودة"، فقال: "ما كنتُ لأسبق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم) " - وكان في سفر له -، و لما جاء النبي (ص) وسأله عليٌّ (عليه السَّلام) عن اسمها، فقال: "ما كنت لأسبق ربي تعالى"، فهبط الأمين جبرئيل يقرأ على النبي السَّلام مِن الله، وقال له: "سمِّ هذه المولودة زينب، فقد اختار الله لها هذا الاسم"، ثم أخبره بما يجري عليها من المصائب فبكى النبي (صلى الله عليه وآله وسلَّم) وقال: "من بكى على مصاب هذه البنت كان كمن بكى على أخويها الحسن والحسين (عليهما السَّلام) ".
وروى حسين الشاكري قائلًا: وفي أثر آخر قال (صلى الله عليه وآله وسلَّم): "أوصي الشاهد والغائب من أمتي، وأخبروهم أن يكرموا هذه الصبية لأنها تشبه خالتها أم كلثوم"، فالاحتمال القوي أن النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلَّم) هو الذي كنَّاها بأم كلثوم، بل ثبت بحديث رواه ابن جبير وابن بطوطة، فلذلك ورد في زيارة العقيلة (عليها السَّلام) السَّلام عليك يا زينب التقية، السَّلام عليك يا أم كلثوم النقية ".
يقول العبد العاملي: إن الصحيح هو ما جاء في الأثر عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلَّم) قال لمّا ولدت سيّدتنا الحوراء زينب (عليها السَّلام) قال: "أوصيكم بها فهي شبيهة خديجة الكبرى (عليها السَّلام)".
والتحقيق أن يقال: أنه ليس لمولاتنا الصديقةالكبرى فاطمة الزهراء خالة باسم أُمّ كلثوم، بل إن أُم كلثوم هي بنت خالتها هالة، وكونها خالة لمولاتنا الصديقة الكبرى الزهراء (عليها السَّلام) هو أول البحث.. وشبهة أن لرسول الله بنات ثلاث: رقية وأم كلثوم وزينب، وبعضهم اشتبه عليه الأمر مدعيًّا أنّ أمّ كلثوم من بناته من زوجته مولاتنا الصديقة خديجة (عليها السَّلام)، وهذا خطأٌ مَحضٌ لا يركن إلى تدقيق وتحقيق.. وقد دفعنا شبهة كون البنات الثلاث من رحم مولاتنا الصدّيقة خديجة (عليها السَّلام) من الأصل في كتابنا الجليل" أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد"؛ لأنها شبهة عويصة تدور حول تزويج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلَّم) بنتين منهن لعثمان بن عفان، وهما ابنتا هالة أخت مولاتنا خديجة (عليها السَّلام) ربتهما في بيتها بعد موت أمهما.. فالبنات الثلاث هنّ بنات هالة أخت مولاتنا الصديقة خديجة (سلام الله عليها)، وكنّ صغارًا عندما توفيت أمهنّ، ولعلّ النبيَّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلَّم) عقد لهن على ولديه القاسم وعبد الله (عليهما السَّلام) بالمناوبة عقدًا محرميًا فأصبحن بمثابة بناته، أو أن مولاتنا خديجة (عليها السَّلام) أرضعت الطفلتين من دون الطفلة الثالثة، وهما: أم كلثوم ورقية، وبالتالي أصبحتا أختين لمولاتنا الصدّيقة الكبرى فاطمة (عليها السَّلام) بالرضاعة،كما أشرنا إليه في كتابنا الجليل "إفحام الفحول في شبهة تزويج عمر بمولاتنا أُمّ كلثوم (عليها السَّلام)"؛ فليُراجَع.
الصدِّيقة المعظمة الحوراء زينب (عليها السَّلام) شبيهة مَنْ؟
الجواب: نميل إلى أنها شبيهة أُمّها الصدِّيقة الكبرى فاطمة الزهراء (روحي فداها) فقد كانت أنور من الشمس؛ كما تصفها بعض أخبار الطف لما قُتِلَ الإمام المعظَّم سيّد الشهداء (عليه السَّلام) خرجت من خيمتها كأنها شمسٌ طالعة.. من البعيد أن لا تشبه أمها المطهرة. في حين أن مولاتنا فاطمة الكبرى بنت الإمام الحسين (عليه السَّلام) كانت تشبه جدتها سيّدتنا المطهرة فاطمة (عليها السَّلام)؛ كما جاء في الخبر عن إمامنا المعظَّم الحسين الشهيد (عليه السَّلام) الذي رواه المؤرخ أحمد بن علي الحسيني قال: لما أراد تزويج الحسن المثنى ابن أخيه الإمام الحسن المجتبى (عليه السَّلام)، وكان قد خطب إلى عمّه الإمام الحسين (عليه السَّلام) إحدى بناته، فأبرز إليه فاطمة وسكينة (عليهما السَّلام) وقال: يا ابن أخي اختر أيهما شئتَ؟ فاستحى الحسن وسكت، فقال الإمام الحسين (عليه السَّلام): "قد زوجتك فاطمة فإنها أشبه الناس بأمى فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم)".
ويمكن الجمع بن هذه النقولات على فرض صحة بعضها، بما يأتي: مولاتنا المطهرة الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء شبيهة أُمّها مولاتنا الصدّيقة خديجة (عليهما السَّلام)، وعلى فرض أن مولاتنا الصديقة زينب تشبه خالتها أُمَّ كلثوم، فإن أم كلثوم كانت تشبه مولاتنا خديجة (عليها السَّلام)، وبالتالي تكون الحوراء زينب شبيهتهما قطعًا.. والكلّ: وهنَّ خديجة وزينب وأم كلثوم، اشتُقَ جمالهنَّ من جمال سيّدة الحور والكور والملك والملكوت الصديقة الكبرى فاطمة البتول التي على معرفتها دارت القرون الأولى.. فتأمل.
زبدة المخض: إنَّ رواية الشيخ النقدي المتقدِّمة صحيحة متنًا ودلالة، وموافقه للاعتبار، وعليها قرائن تثبتها، وإن كانت مرسلة سندًا ولا وجود لها في الكتب الحديثية المصدرية إلّا أن شهرتها عند المتأخرين تجبر ضعفها السندي؛ كما فصّلنا ذلك في بحثنا حول خبر مسلم الجصاص: (إتحاف ذوي الإختصاص في التحقيق بخبر مسلم الجصاص) وفي كتابنا الآخر"الحقيقة الغراء في تفضيل الصدّيقة الكبرى زينب الحوراء على مريم العذراء (عليهما السَّلام)".
بالإضافة إلى ذلك: فإن عدم وجودها في الكتب الحديثية المشهورة لا يستلزم عدم وجودها البتة، فكم من أخبارٍ ليست متوفرة في الكتب الأربعة إلّا أن لها وجودًا في كتب أُخرى قديمة لم يعثر عليها أصحاب الكتب الأربعة.. وتراثنا الشيعي ليس منحصرًا في الكتب الأربعة، بل هناك كتب مصدرية معتبرة لم تسنح الظروف بنشرها بسبب الظروف الموضوعية والموانع الأخرى التي منعتْ مُؤلِّفيها من نشرها، أو أنّها نُشِرَتْ لكنّها اختفت بسبب ما كان يعانيه أصحابها من ضغوطات وظروف قاسية جدًا..
وبعبارة أُخرى: إن عدم عثور المتقدمين أو المتأخرين على مستندٍ حديثي لا يساوق الجزم بالعدم؛ إذ كم من خبرٍ خفيٍّ على الأوائل ظفر به المتأخرون، وهذا أمرٌ مشهود في تاريخ الحديث والمخطوطات، ولا يحتاج إلى كتيرٍ من الاستدلال.
والشيخ جعفر النقدي الراوي للرواية المتقدمة: لم يكن من أهل التساهل أو الاختلاق، ونقله للخبر لا ينهض دليلًا على وضعه، ويُحتَمَلُ بقوّةٍ اعتمادُهُ على نسخٍ أو مصادرَ خطيةٍ لم تصلنا أو لم تُطبع، وهذا الاحتمال عقلائي مقبول، لا سيَّما مع فقدان عددٍ كبير من خزائن المخطوطات وضياع كتبٍ كاملة في الحروب والتنقلات..
وهنا نحب أن نسهب قليلًا بما يكون حقًا علينا بذكر شيءٍ من مناقب اسم زينب كما كتبناه في مقدمة كتابنا الجليل "إفحام الفحول في شبهة تزويج عمر بأُمِّ كلثوم (عليها السَّلام)" الذي نال رضا سيّدتنا المطهرة الصديقة الكبرى فاطمة أو الحوراء (عليهما السَّلام) عبر رؤيا رآها ولدنا الأوسط؛ حيث زارت إحداهما والده عبدهما العاملي تهنئه بما كتب عن ابنتها أو عنها.. ويبدو لي أنها مولاتنا الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء (عليها السَّلام) لأنني كنت أتوسل بها دائمًا خلال عملي على فصول كتابي "إفحام الفحول في شبهة تزويج عمر بأُمّ كلثوم (عليها السَّلام)"، وما كتبناه كان حميّة وغيرة على عرض آل محمّد (عليهم السَّلام) مع بعض الزيادات القليلة؛ ونبيّن ههنا ذلك على النحو الآتي:
من هي أُمُّ كلثوم (عليها السَّلام)؟
الجواب: لقد اضطربت كلّمات المؤرِّخين في شخصيّة أم كلثوم (عليها السَّلام)، هل هي واحدة تُسمَّى زينب، أمْ أنّها أُخرى تختلف عن أختها زينب الكبرى؟.
المشهور ذهب إلى تعدد الشخصيتين المباركتين بأنّ زينب الحوراء العقيلة (عليها السَّلام) غير أمّ كلثوم (عليها السَّلام)، وإنْ أصبحت الكنية علمًا على المسمَّاة بها، وهي زينب الصُّغرى أخت زينب الكبرى وأُمهما مولاتنا الصدّيقة الكبرى الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السَّلام)، كما أنّ زينب (عليها السَّلام) كانت تُكنى أيضًا بأمّ كلثوم، وأمّا زينب الصّغرى "أمّ كلثوم" فتُكنّى بأُمِّ كلثوم الكبرى كما سيأتيكم أدناه، وهي موضع دراستنا الفقهية في هذا المصنف أي كتابنا "إفحام الفحول في شبهة تزويج عمر بأُمّ كلثوم (عليها السَّلام)"؛ فليراجع لأهميته على الصُعُدِ العلمية الفقهية والعقدية والأصولية والرجالية.
ويعود السَّبب في تسمية العقيلة زينب (عليها السَّلام) " بزينب الكبرى " هو تمييزها عن أختها من أبيها وأمّها فاطمة والمعروفة بأم كلثوم - ولها اسم آخر هو "رقية" كما دلت عليه رواية الخصيبي الحمداني في الهداية الكبرى – ولأنّ لها أختًا أُخرى اسمها زينب الصّغرى من غير أمّها فاطمة، كما يرجع السبب في تسمية زينب الصُّغرى بـ " أم كلثوم الكبرى " تمييزًا لها عن أمّ كلثوم الصغرى أختها من غير أمّها الصدّيقة فاطمة الزَّهراء (عليها السَّلام)، فأُمّ كلثوم بنت الصديقة الكبرى فاطمة (عليهما السَّلام) كبرى بالقياس إلى بقية أخوتها من أُمّهات شتى، ولعلَّ كثرة تكنية أمير المؤمنين (عليه السَّلام) لبناته بأُم كلثوم يعود إلى التيمُّن بالإكثار من هذه الكنية في بناته؛ لأنها من صنع الله تبارك وتعالى من جهة، ولأنها كنية على مريم أخت النبيينِ الكريمَينِ موسى وهارون (عليهما السَّلام).
وبناءً عليه: فإنّ لمولاتنا العقيلة زينب (عليها السَّلام) اسمًا اشتُهِرَت به وهو زينب الكبرى، كما أنّ لها كنية غير مشهورة وهي: " أم كلثوم"، وأمّا أختها من أمّها فاطمة الزّهراء الصدّيقة الطاهرة (عليها السَّلام) واسمها زينب الصّغرى، فهو اسم علمٍ لها، لكنّها تكنى "بأُمّ كلثوم الكبرى والصّغرى"،وهي كنية تغلب اسمها، وبالتالي فإنَّها كبرى بالقياس إلى أخواتها من أمّهاتٍ شتّى المتسمِّين باسمها ولقبها، وصغرى بالقياس إلى مولاتنا الصدّيقة زينب (عليها السَّلام).
وثمة وجه آخر في بيان الفرق بين الكبرى والصغرى، فمولاتنا الصديقة الكبرى العقيلة زينب (عليها السَّلام) هي أكبر من أختها المسماة بزينب الصغرى (وتسمى باسم آخر هو رقية)؛ فالعقيلة زينب هي كبرى بالقياس إلى أُختها رقية من أُمّها الصدّيقة الكبرى فاطمة البتول (عليها السَّلام)، كما أنَّها كبرى بالقياس إلى بقية أخواتها من أُمهاتٍ شتى.. وهذا القول أصح من بقية الأقوال الأُخرى. ويبدو لنا أنَّ إطلاق لقب كبرى عليها ليس بسبب الناحية النسبية فحسب، بل لشيء أعظم من كلّ ذلك هو أنها سيّدة النساء قاطبة بعد أُمّها المطهرة فاطمة البتول (صلَّى الله عليها) وأهل بيتها الأطهار (عليهم السَّلام).. هذا هو الأصح والأنسب في صحة إطلاق زينب الكبرى على العقيلة المطهرة زينب (صلوات ربي عليها وعلى أمها وأبيها وإخوتها وبنيها).. من هنا سمينا كتابنا الآخر بحقّها "الحقيقة الغراء في تفضيل الصديقة الكبرى زينب الحوراء على مريم العذراء(عليهما السَّلام)"؛ تمييزًا لها عن عامة نساء العالمين اللواتي هنّ أدنى من أمّها ومنها؛ لأنها نفس أمها (روحي فداء لنعليهما الشريفتين).. فزينب الحوراء هي سيدة نساء العالمين بعد أمها مباشرةً، وهو فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.. آل محمّد لا يُقاس بهم أحد على الإطلاق.. فتأملوا كتبابنا (الحقيقة الغراء.. ) تهتدوا إلى رفيع الأسرار الفاطمية الزينبية.. فيا لها من عظمة لتينك المطهرتين اللتين لم ولن تنجب بطون النساء مثلهما إلى أبد الآبدين..
وهكذا الحال في اسم زينب، وكأنّ حكمة أمير المؤمنين الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السَّلام) شاءت أنْ يُكثر من تسمية "زينب" في بناته لشرف هذا الاسم الميمون عنده، وكرامته لديه؛ ولكونه يحمل هويّة ابنته الغالية عنده والعزيزة على فؤاده،كيف لا! وقد سمَّاها الله بهذا الاسم، فقد جاء في الخبر المبارك: [إنّ الصدّيقة الشهيدة الزهراء البتول (عليها السَّلام) لمّا وضعت وليدتها المباركة - التي ليس لها نظير في العالم إلّا أُمّها - حملتها إلى أمير المؤمنين عليّ (عليه السَّلام) فأخذها وجعل يقبّلها، والتفتت إليه فقالت له: "سمّ هذه المولودة.." فأجابها الإمام (عليه السَّلام) بأدبٍ وتواضع: "ما كنت لأسبق رسول الله"، وعرضها الإمام (عليه السَّلام) على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم) ليسمّيها فقال له: " ما كنت لأسبق ربّي.. "، فهبط جبرائيل (عليه السَّلام) يقرأ على النبيّ السَّلام من الله الجليل وقال له: "سمّ هذه المولودة زينب فقد اختار الله لها هذا الإسم"، ولا ريب في أنّ اختياره (عليه السَّلام) اسمًا لها يدلّ بالملازمة القطعيّة على التجانس التام بين الاسم والمسمّى، وأنّ لصاحب الاسم شأنًا خاصًّا عنده، وإلَّا لما تدَّخل في خصوصيّاته ومنها تسميتها، ومَن يتدَّخل الله تعالى في تسميته فهو معصوم قطعًا، باعتباره مزيجًا من الأنوار القدسية الملكوتية، وبالتالي لا سلطة لإبليس عليه، من هنا قيل: إنّ كلمة زينب مكوَّنة من كلّمتين: "زين" و "أب" أي زين أبيها، وهذه التسمية لزينب (عليها السَّلام) إنْ دلّت على شيء، فإنّما تدلّ على أنّ سيرتها سوف تكون فخرًا لوالدها أمير المؤمنين عليّ وأهل بيته (عليهم السَّلام)، وحيث إنَّها كانت زين أبيها وأمّ أخويها بعد رحيل أُمّها، وحيث أزالت كلّ شائبة وغبار صنعه المنافقون يوم ارتحل الخمسة من أصحاب العبا، فوَّضها الله تعالى لتكون وصيّةً لحفظ الإسلام والذود عنه بعد شهادة أهل بيتها الأطهار (عليهم السَّلام)؛ كما كانت أمّها تذود عنه يوم حاولت عصابة النفاق أن تمدّ إلى الإسلام يد السّوء، فرفعت عقيرتها لتعطيه عزًّا ومجدًا يتألّق وهجه يوم ظهور حفيدها الإمام المهديّ (عليه السَّلام) المنتقِم لها والتي جعلها أسوة له في أفعاله (روحي فداها).. فمولاتنا المطهرة زينب (عليها السَّلام) شبيهة جدّتها مولاتنا الطاهرة خديجة (عليها السَّلام) خلقًا وخُلُقًا وجهادًا؛ حسبما جاء في الأثر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلَّم) لمّا ولدت زينب قال: "أوصيكم بها فهي شبيهة خديجة الكبرى (عليها السَّلام)"؛ فهي نسخة عن أمها وجدتها صلوات الله عليهما وآلهما.
وصفوة القول:
إنّ تسمية زينب من قِبَل الله تبارك وتعالى تكشف عن عظمة هذا الاسم المبارك الذي كان في مصافّ أسماء أخويها الإمامين العظيمين الحسن والحسين (عليهما السَّلام)، وكذلك أخوها وليّ الله العباس، هبة الله تعالى لأمير المؤمنين عليّ(عليهما السَّلام)، فلا يمكن لأحد أنْ يُقاس بهم، لذا كانت مولاتنا المطهرة زينب (عليها السَّلام) مجمَعًا للكمالات عند الخمسة من أصحاب الكساء، فكانت زهرة في حياتهم وثمرة في روضتهم، من هنا نجد التناسب بين الاسم والمسمّى ثبوتًا وإثباتًا، لذا فإنّ معنى زينب لغةً هو: "شَجَرٌ حَسَنُ المنْظَرِ، طيِّبُ الرَّائحة"، ومعنى " كلثوم" هو: الوجه المنبسط، أو الحرير على رأس العَلَم.
فلا غرو أن يكون اسمها مطابقًا لمسمَّاها، إذ الصّفة لمّا يطلقها الله تعالى على إنسان تكون ملازمة له، وحاكية عن ذاته ومظهره، فهي (روحي فداها) بحقٍّ زينب الشَّمائل والصّفات، تفوح من معاليها عصمة التّصرّفات وقداسة الذَّات الممسوسة بنور أبيها وأمّها (عليهم جميعًا صلوات الله الملك العلاّم).
وفي اسمها الشريف "زينب" سلام الله عليها رموز وإشارات عرفانية:
" ز ": إشارة إلى أمّها الزهراء سيّدة نساء العالمين (عليها السَّلام).
" ي ": إشارة إلى والدها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السَّلام)، أو إشارة إلى الياء من اسم أبي طالب جدّها المكرَّم (عليه السَّلام)، أو إشارة إلى الياء من خديجة جدّتها لأمّها، ففيها جنبة من أمّها الزهراء (عليها السَّلام)، وجنبة من جدّها والد أبيها، وجنبة من جدتها.
" ن ": إشارة إلى أخويها الإمامين الحسن والحسين (عليهما السَّلام)، أو إشارة إلى أنّها سيّدة النساء بعد أمها البتول (عليها السَّلام).
" ب ": إشارة إلى كلمة النبي جدّها محمّد (صلى الله عليه وآله وسلَّم) عندما أشار إلى والدها بتسميتها زينب، أو إشارة إلى صبرها في كربلاء، وهو الأصح؛ وذلك لأن تفسير الحروف المقطعة ﴿كهيعص﴾ في أوائل سورة مريم يُقصد به مولاتنا الحوراء زينب (روحي فداها) منضمًا إليها إخوتها وأخواتها ممّا جرى عليهم وعليها على وجه الخصوص في كربلاء والعراق وبلاد الشام.. فإنّ صبرها لتنوء به الجبال الرواسي.. فهي وترٌ في تحمل المصائب يوم كربلاء وخلال سبيها.. آهٍ لوجدِك أيتها الحوراء العلوية الفاطمية.. يوم حُمِلتِ على بعيرٍ ضالع يطاف بك في البلدان.. !! ليت الجبال تدكدكت عندما سُبيتِ.. وليت السماء كُشطت، وليت البحار سُجّرت.. وليت النجوم اندثرت.. آهٍ من سبيك يا أُمَّ أبيها ومهجة أمها وأخويها.. !! انكسر القلم، وجف الحبر، وتفطر القلب عند كتابتي لهذه السطور.. !!
وبناءً عليه: تكون هذه المعظَّمة (عليها السَّلام) عصارة الكمالات الرّوحيّة والأنوار الإلهيّة للخمسة أصحاب الكساء (عليهم السَّلام)، لذا لُقِّبَت بالصدّيقة الصُّغرى بالقياس إلى أمّها، وبالكبرى بالقياس إلى غيرها من النساء الطاهرات.
ولمّا كانت أسماء الخمسة الأطهار ذات آثار نورانيّة طيّبة، ومن حيث إنّ اسم زينب التي سُمِّيَت به من قِبَل الله تعالى وثبوته في اللّوح المحفوظ كان مجمعًا لتلك الأسماء الخمسة المباركة،فبذا يكون لاسمها الشّريف أثرٌ طيّبٌ في استجابة الدعاء ونيل الكرامات؛ لذا يُروى أنّ المحقّق الميرزا القمّي صاحب كتاب "قوانين الأصول" كان يرى في اسم مولاتنا زينب (عليها السَّلام) خصوصيّة ونورانيّة، فكان يتوسّل إلى الله تعالى باسم زينب لاستجابة الدعاء.
ولا يبعد أنْ يكون الإمام علي (عليه السَّلام) قد كرّر اسم زينب لبناته الثَّلاث تيمّنًا بهذا الاسم الشَّريف الّذي يحوي أسرارًا لا يدرك مداها إلّا مَنْ سمّاها به.
والخلاصة المنهجية المحكمة:
إنَّ الخبر المذكور يُذكَر على جهة الإثبات، ولا يُستبعد كونه مأخوذًا من مصادر خطية قديمة لم تصل إلينا - ككثيرٍ من الأخبار التي ليس لها ذكر في الكتب الحديثية المعروفة وقد غفل عنها المتقدمون لاعتبارات موضوعية لا يسع المقام لبيانها ههنا - وقد دلّ التتبع التاريخي على أن مثل ذلك قد وقع غير مرة في تراث الحديث والسيرة...
هذا التقرير - كما هو ظاهر - متوازن، لا إفراط فيه ولا تفريط، ويحفظ حقّ المنهج ويصون التراث من الضياع ويحفظ مقام البحث العلمي.. وضعف سند الرواية بإرسالها وجهالة راويها لا يعني كذب مضمونها، لا سيَّما وأننا لا نرى مصلحة ولا داعيًا لأحد في اختلاق الرواية المذكورة، لا من ناحية مذهبية، ولا قبلية، ولا سياسية، ولا غير ذلك.. وقد أسهبنا في تفصيل جواز الأخذ بالأخبار المرسلة في كتابنا "إتحاف ذوي الإختصاص في التحقيق بخبر مسلم الجصاص"؛ ولا سيّما أخبار الفضائل والإخبارت الغيبية كالمعاجز والكرامات والملاحم والفتن وتواريخ الأنبياء وقصص الماضين ما لم تعارض الأخبار القطعية والمسلمات العقلية والنقلية.. فليراجع.
* * * * *
المبحث الرابع:
وجوب معرفة الأئمّة الأطهار (عليهم السَّلام) بالصفات
تجب معرفة الأئمّة الأطهار (عليهم السَّلام) بالصفات التي تتوقّف عليها الإمامة، لا بكلّ ما لهم من كمالات، إذ إنَّه من المستحيل الإحاطة بكنه ذواتهم وصفاتهم وغرائب أحوالهم ومعاجزهم وكراماتهم، والصفات الواجب معرفتها هي الآتية:
1. النصّ الإلهي أو النصّ من الإمام السّابق.
2. العصمة في التبليغ وغير التبليغ، قبل التبليغ وبعده..
3. العلم بما يحتاج إليه في الهداية، بل في كلّ شيء، وليس كما ذهب إليه من تقدمنا كالشيخين المفيد والطوسي وغيرهما؛ حيث مالوا إلى أن الإمام يجب أن يكون عالمًا في الأمور التي يحتاجها في التبليغ فقط، ولا يجب أن يكون عالمًا بكلّ شيء كالعلوم الأكاديمية والفيزيائية والكيميائية والطبية والطبيعية وغيرها، وهو خطأ محض ينمّ عن ضعف إدراك في العقول وتحصيل المعارف والعلوم.. وقد أوردنا عليهما وأمثالهما في عدة بحوث لنا .
4. إقامة المعجزة لإثبات كونه منصوبًا للهداية من قِبَل الله تبارك ذكره، وتجري على يديه الكرامات ابتداءً في حياته، والتوسل به بعد استشهاده لقضاء الحاجات وحلّ المعضلات، بل إنها تصدر أيضًا ابتداءً لإلقاء الحُجَّة على الأتباع والخصوم..
وبالجملة: الواجب علينا كمكلّفين أن نتقن معرفتهم بصفاتهم وأسمائهم وكلّ ما يترتب عليه معرفة صفاتهم وأسمائهم الملازمة لها، ومن أهمّها معرفة بعض معاجزهم وكراماتهم وبعض علومهم الغيبية ومراتبهم النورانية، وأمّا تفاصيل علومهم الغيبيّة، ومراتبهم النورانيّة، وخصوصيّات معجزاتهم، وكراماتبهم فقد ذهب بعضهم إلى أنها ليست داخلة في حدّ الوجوب، بل هي من كمالات الإيمان.. فإن كان قصدهم المعرفة التامة بتلك العلوم الغيبية والمراتب النورانية.. فالحق معهم، وإن كان قصدهم المعرفة المعرفية الإجمالية التبعيضية، فالصحيح أنها داخلة في حدّ الوجوب بنحو معتدٍّ به لكي يستقر الإيمان والاعتقاد بعظمتهم فلا يميل إلى غيرهم.. وهل الإيمان الكامل بهم سوى أن نطلع على معاجزهم ونعرف بعضًا من علومهم الغيبية ومراتبهم النورانية..؟؟.
الصفات المتقدمة متوفرة في أئمتنا المطهرين (عليهم السَّلام)، وهي تستلزم وجوب طاعتهم في كلّ شيء: في الواجب والمحرم والمستحب والمكروه، بل حتى في المباحات إلّا إذا خيّروا العبد بين الفعل والترك، والسر في وجوب طاعتهم هو أنهم معصومون ومطهرون من كلّ دنسٍ ورجسٍ وكونهم حججًا الله تعالى على عامة خلقه، وبالتالي لا بدَّ أن نسلّم لأمرهم في كلّ شيء على الإطلاق.. وقد فصّلنا عقيدتنا الشيعية بوجوب طاعة الحجج الطاهرين (عليهم السَّلام) في الجزء الثاني من كتابنا "الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية" الطبعة الرابعة في الباب الثاني والعشرين: "عقيدتنا في طاعة الأئمة الطاهرين (عليهم السَّلام)" بما هو كافٍ ووافٍ (بحمد الله تعالى ولطفه ورحمته)؛ فليراجع.
* * * * *
المبحث الخامس:
الإيمان الإجمالي وحدوده
لا يكفي الإيمان الإجمالي مع القدرة على التفصيل؛ لأنَّه لا يحقّق الامتثال التامّ، ولا يمنع من الضلال. نعم، يُعذر من قصر أو عجز عن التفصيل مع حسن النيّة وعدم التمكّن، لكنّ هذا عذرٌ طارئ لا يغيّر من أصل الحكم الأوّلي.. وقد أوردنا على المعرفة الإجمالية في المبحث الثاني؛ فتدبروا فيه..
وجوب إطاعة المعصومين من ذراري الأئمة الأطهار (عليهم السَّلام):
وأمَّا الأولاد المعصومون من أهل البيت (عليهم السَّلام)، فلا ريب في وجوب معرفتهم بالأسماء والصفات، لا من باب أنهم أئمة قادة مُنَصَّبون من قِبَل الله تعالى، بل من باب أنهم أولياءٌ عظام، وفي الوقت نفسه هم قادة هداة بعد الأئمة الأطهار (عليهم السَّلام)، إذ لا تقتصر القيادة على الأئمة الأطهار (عليهم السَّلام) ، بل تتعداها إلى المعصومين من غير الأئمة الأطهار (عليهم السَّلام)، فهم ينوبون عن الأئمة الأطهار (عليهم السَّلام)، والمنكر لهم هو كالمنكر لواحدٍ من الأئمة الطاهرين (عليهم السَّلام) لاستلزامه إنكار الأئمة الأطهار (عليهم السَّلام)، فهؤلاء تجب طاعتهم بالعنوان الأولي لا الثانوي الطارئ، ولهم من وجوب الامتثال ما للأئمة الأطهار (صلوات الله عليهم أجمعين)، فهم التالون للأئمة الأطهار (عليهم السَّلام) بالعصمة والطاعة، فإطاعتهم طولية، أي: في طول إطاعة الأئمة الأطهار (عليهم السَّلام)، بل هي نفس إطاعة الأئمة الأطهار (عليهم السَّلام)، وذلك لحيثيتينِ: لأنهم لا يأمرون إلّا بالخير والإحسان والفلاح والنجاح باعتبارهم معصومين وأولياءَ مقربين من جهةٍ، ولأن ما يأمرون به مأخوذ من الأئمة الأطهار (عليهم السَّلام) من جهةٍ ثانية.. فمن كان مثل مولاتنا وليّة الله الصدّيقة الحوراء وأختها وليّة الله رقية والمكناة بأُمّ كلثوم (عليهما السَّلام) كيف لا يشرّفه الله تعالى بالعصمة.. ! وهكذا حال أخيها المولى وليّ الله الصدّيق المعظَّم أبي الفضل العباس ووليّ الله الصدّيق عليّ الأكبر "ابن الإمام الحسين (عليهما السَّلام)" والمولى القاسم"ابن الإمام الحسن المجتبى" وزيد الشهيد اإبن الإمام السجاد وإسماعيل ابن الإمام الصادق...إلخ، فلا يرتاب ذو مسكة وتحقيق في معالم العصمة في أن هؤلاء المعصومين تجب طاعتهم لوفور العصمة فيهم والملكة القدسية في ذواتهم الشريفة، وإلَّا كيف يحكمون بوجوب إطاعة الوكلاء عن الأئمة في الأمصار والفقهاء والعلماء فيما يستنبطونه من أحكام، والراد عليهم هو كالراد على الله تعالى والحجج الأطهار (عليهم السَّلام) كما جاء الأمر به في الأخبار.. ؟؟!! فذراريهم المعصومون (عليهم السّلام) هم من المصطفين الأخيار، فتجب إطاعتهم والسير على نهجهم والإقتداء بهم، ولا يحصل الاقتداء إلّا بعد المعرفة، كلٌّ بحسب سعته وطاقته، وهم من أبرز مصاديق الخبر المستفيض "إنَّا أهل بيت لا يُقاس بنا أحدٌ"، فقد جاء في قرب الإسنادعن ابن عيسى، عن البزنطي، عن الرضا (عليه السَّلام) قال: قال أبو جعفر (عليه السَّلام): "مَن سره أن لا يكون بينه وبين الله حجاب حتى ينظر إلى الله وينظر الله إليه فليتوال آل محمّد ويتبرأ من عدوهم ويأتم بالإمام منهم، فإنه إذا كان كذلك نظر الله إليه، ونظر إلى الله"؛ والمراد بالنظر إلى الله هو النظر إلى رحمته وكرامته أو إلى أوليائه، أو غاية معرفته بحسب وسع المرء وقابليته..
تنبيه: لقد أسَّسننا قاعدة في عصمة ذراري الأئمة الطاهرين المطهرين مفادها أنّ: الأصل في آل محمّد هو العصمة حتى يثبت العكس في أولادهم الذين انحرفوا عنهم بالعقيدة والمسلك نظير عبد الله الأفطح ابن الإمام الصادق، وزيد النار ابن الإمام الكاظم، وجعفر الكذاب ابن الإمام الهادي (عليه السَّلام).. هؤلاء الثلاثة ومن شابههم خارجون حكمًا وموضوعًا عن العصمة المتأصلة في ذوات آل البيت وذريتهم من أصلابهم.. فدعوى بعض العلماء بأن آل محمّد لا ينجبون إلّا الطاهرين مدعيًا طهارة جعفر الكذاب.. صحيحة من حيثية كونها قضية كلّية موجبة إلّا أن موضوعها مقيَّد بقيود، بحيث يخرج من هذه القاعدة أفراد من ذراريهم شطَّوا عن الأصل الأولي والقاعدة المطردة وخرجوا حكمًا وموضوعًا عن مفهوم العصمة والطهارة، وإن كانوا لم يخرجوا من دائرة النسب، فهم وإن كانوا من أبناء الحجج الأطهار (عليهم السَّلام) إلّا أنهم فساق بل إن بعضهم مراق من الدين.. ولهم (عليهم السَّلام) أُسوة بنبيّ الله نوح حين قال: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود: 45]، ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: 46]، ولا تخفى عليكم مقولة إمامنا الرضا (عليه السَّلام) لأخيه زيد الملقب بزيد النار حيث تبرأ من أفعال أخيه زيد، فقد جاء في حديث رواه المجلسي قال: دخل زيد بن موسى بن جعفر على المأمون فأكرمه وعنده الرضا (عليه السَّلام)، فسلَّم زيد عليه فلم يجبه، فقال أنا ابن أبيك ولا ترد عليَّ سلامي، فقال (عليه السَّلام): "أنت أخي ما أطعتَ الله فإذا عصيتَ الله لا أخاء بيني وبينك، إن علي بن الحسين (عليه السَّلام) كان يقول: (لمحسننا كفلان من الأجر ولمسيئنا ضعفان من العذاب)".
وروى الشيخ الصدوق الحديث بكامله فقال:حدثنا محمّد بن أحمد السناني قال: حدثنا محمّد بن أبي عبد الله الكوفي قال: حدثنا أبو الفيض صالح بن أحمد قال: حدثنا سهل بن زياد قال: حدثنا صالح بن أبي حماد قال: حدثنا الحسن بن موسى بن علي الوشاء البغدادي قال: كنت بخراسان مع علي بن موسى الرضا (عليه السَّلام) في مجلسه وزيد بن موسى حاضر قد أقبل على جماعة في المجلس يفتخر عليهم ويقول: نحن ونحن، وأبو الحسن (عليه السَّلام) مقبِلٌ على قوم يحدِّثهم فسمع مقالة زيد، فالتفتَ إليه فقال: "يا زيد أغَرَّكَ قولُ ناقلي الكوفة: أنّ فاطمة (عليها السَّلام) أحصنَتْ فَرجَها فحرَّمَ اللهُ ذريتَها على النار؟! فوالله ما ذاك إلّا للحسن والحسين وولد بطنها خاصّة؛ فإمّا أن يكون موسى بن جعفر (عليهما السَّلام) يطيع الله ويصوم نهاره ويقوم ليله وتعصيه أنت ثم تجيئان يوم القيامة سواء؟ لأنت أعز على الله (عزّ وجلَّ) منه؟!!، إن عليَّ بن الحسين (عليه السَّلام) كان يقول: لمحسننا كفلان من الأجر ولمسيئنا ضعفان من العذاب". قال الحسن الوشاء: ثم التفتَ إلي فقال لي: "يا حسن كيف تقرؤن هذه الآية؟ ﴿قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح﴾ فقلتُ: من الناس مَن يقرأ إنه عملٌ غيرٌ صالح، ومنهم مَن يقرأ إنه عَمِلَ غير صالح؛ فمن قرأ أنه عمل غير صالح فقد نفاه عن أبيه. فقال (عليه السَّلام): "كلّا، لقد كان ابنه، ولكن لما عصى الله (عزّ وجلَّ) نفاه عن أبيه،كذا مَن كان منّا لم يطع الله (عزّ وجلَّ) فليس منا، وأنت إذا أطعتَ الله (عزّ وجلَّ) فأنتَ منّا أهل البيت".
وروي في البحار عن إبراهيم بن محمّد الهمداني قال: سمعت الرضا (عليه السَّلام) يقول: "مَن أحب عاصيًا فهو عاصٍ، ومن أحب مطيعًا فهو مطيع، ومن أعان ظالمًا فهو ظالم، ومن خذل عادلًا فهو خاذل، إنه ليس بين الله وبين أحد قرابة، ولا ينال أحد ولاية الله إلّا بالطاعة - إلى أن قال - ﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم﴾ الآية".
وفي خبر آخر : "فمَن خالفكم على هذا الأمر فهو زنديق"، فقال حمران: وإن كان علويًا فاطميًا؟، فقال أبو عبد الله (عليه السَّلام): "وإن كان محمّديًا علويًا فاطميًا".. وروي في البحار أيضًا: وقال أبو عبد الله (عليه السَّلام): "ليس بينكم وبين مَن خالفكم إلّا المطمر"، قلت: وأيُّ شيء المطمر؟ قال: "الذي تسمونه التر ؛ فمن خالفكم وجازه فابرأوا منه وإن كان علويًا فاطميًا".
هذا كلّه، مضافًا إلى أنّ قوله تعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ﴾ وهو صريح في أنّ حيثيّة الأحساب والأنساب توجب تضاعف العذاب وأشدّية العقاب.
ومما يؤكد ما تقدم ما ورد في الكافي : عن أحمد عن البزنطي قال: سألتُ الرضا (عليه السَّلام) قلت له الجاحد منكم ومن غيركم سواء؟ فقال: "الجاحد منّا له ذنبان والمحسن له حسنتان".
وروى الشيخ الصدوق أخبارًا أُخرى حول الموضوع منها :
الحديث الخامس: قال حدثنا تميم بن عبد الله بن تميم القرشي (رضي الله عنه) قال: حدثنا أبو علي أحمد بن علي الأنصاري عن أبي الصلت الهروي قال: سمعتُ الرضا (عليه السَّلام) يحدث عن أبيه أن إسماعيل قال للصادق (عليه السَّلام): يا أبتاه ما تقول في المذنب منّا ومِن غيرنا؟ فقال (عليه السَّلام): ﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوء يجز به﴾.
الحديث السادس: قال حدثنا علي بن أحمد بن محمّد بن عمران الدقاق (رضي الله عنه) قال: حدثنا محمّد بن أبي عبد الله الكوفي قال: حدثنا أبو الخير صالح بن أبي حماد عن الحسن بن الجهم قال: كنتُ عند الرضا (عليه السَّلام) وعنده زيد بن موسى أخوه وهو يقول: "يا زيد اتق الله؛ فإنه بلغنا ما بلغنا بالتقوى، فمن لم يتق الله ولم يراقبه فليس منا ولسنا منه، يا زيد إياك أن تهين من به تصول من شيعتنا فيذهب نورك، يا زيد: إن شيعتنا إنما أبغضهم الناس وعادوهم واستحلوا دماءهم وأموالهم لمحبتهم لنا واعتقادهم لولايتنا فإنْ أنتَ أسأت إليهم ظلمتَ نفسك وبطلتَ حقك"، قال الحسن بن الجهم: ثم التفتَ (عليه السَّلام) إليَّ فقال لي: "يا ابن الجهم مَن خالف دين الله فابرأ منه كائنًا مَن كان مِن أي قبيلة كان، ومَن عادى الله فلا تواله كائنًا مَن كان مِن أي قبيلة كان"، فقلت له: يا ابن رسول الله ومن الذي يعادي الله تعالى؟ قال: "مَن يعصيه".
الحديث السابع: قال حدثنا أبو محمّد جعفر بن نعيم الشاذاني (رضي الله عنه) قال: أخبرنا أحمد بن إدريس قال: حدثنا إبراهيم بن هاشم عن إبراهيم بن محمّد الهمداني قال: سمعتُ الرضا (عليه السَّلام) يقول: "مَن أحب عاصيًا فهو عاصٍ، ومَن أحبَّ مطيعًا فهو مطيع، ومَن أعان ظالمًا فهو ظالم، ومَن خذل عادلًا فهو ظالم، إنه ليس بين الله وبين أحد قرابة، ولا ينال أحد ولاية الله إلّا بالطاعة، ولقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم) لبني عبد المطلب: ائتوني بأعمالكم لا بأحسابكم وأنسابكم، قال الله تعالى: ﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون﴾".
* * * * *
الخاتمة:
تبيّن من خلال هذه الدراسة الموجزة أنّ المعرفة الواجبة بأهل البيت (عليهم السَّلام) - والمراد بأهل البيت هم الأئمّة الطيبون الأطهار، ويُلحق بهم أولادهم المعصومون (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) - عند الإماميّة هي معرفة تعيينيّة تشمل: معرفة أسمائهم، ومعرفة تسلسلهم، ومعرفة صفاتهم المقوِّمة للإمامة، ولا تشمل هذه المعرفة دقائق المقامات والفضائل الخاصّة، وبذلك يتحقّق التوازن العقدي بين حفظ أصل الإمامة من جهة، وبين سد باب الغلو من جهة ثانية، ومنع التفريط والإجمال المفضي إلى الضلال من جهةٍ ثالثة.
والحمد لله ربّ العالمين، اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد الهداة المهديين الأبرار الأنور المطهرين، ولعنته الدائمة على الظالمين لهم والمنكرين لفضائلهم ومنازلهم وولايتهم وإمامتهم ومعاجزهم من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين.. اللهم عجّل لوليّك الفرج والنصر، واجعلنا من خيرة أعوانه وأنصاره والممهدين لخروجه الشريف بالعلم والعمل الصالح، والسَّلام عليه وعلى آبائه المطهرين ورحمته وبركاته..
كلبهم باسط ذراعيه بالوصيد
محمّد جميل حمُّود العاملي
بيروت/ بتاريخ 20 رجب 1447 هجري قمري
يا قائم آل محمّد أغيثوا الملهوف
عبدك واقف على بابك
يرجو فضلَ إحسانك
العاملي غريب الديار
المحتويات
. المقدِّمة
. تقسيم البحث إلى ستة مباحث مهمة
. الشروع في التفاصيل
. المبحث الأوّل (أصل وجوب معرفة الحجج الأطهار صلَّى الله عليهم أجمعين).
. الاستدلال على وجوب معرفتهم (عليهم السَّلام) بدليلين:
1 – (الدليل الشرعي):الدال على على وجوب معرفتهم (عليهم السَّلام).
2 – (الدليل العقلي): الدال على وجوب معرفتهم (عليهم السَّلام) بالأسماء والصفات.
. تقرير الدليل الشرعي باستعراض الأخبار الشريفة.
. بيان للعلامة المجلسي رحمه الله وتعقيبنا عليه.
. تحليل بعض فقرات رواية حول المؤمنة التقية الفاضلة حبابة الوالبية رضي الله عنها وأرضاها وما في الرواية من معارف عالية المضامين.
. تارك الولاية لأهل البيت (عليهم السَّلام) كافر.
. (الدليل العقلي): الكاشف عن وجوب معرفتهم (عليهم السَّلام)وهو على وجهين هما.
1 – الوجه الأول:
2 – الوجه الثاني:
. المبحث الثاني:وجوب معرفة الأئمة المطهرين (عليهم السَّلام) بالأسماء والتعيين.
. إنقسام اللعلماء حول المعرفة الإجمالية بالأئمة الأطهار (عليهم السَّلام) إلى فريقين.
. رأيٌ شاذّ للسيّد اليزدي صاحب العروة وثلة اتبعوه من شراح العروة الوثقى.
. إيرادنا على السيّد اليزدي صاحب العروة.
. الحق مع العلامة يوسف البحراني صاحب الحدائق الناضرة والنراقي صاحب مستند الشيعة.
.النقل والعقل يدالان على وجوب معرفتهم التفصيلية بأسمائهم وصفاتهم (عليهم السَّلام).
. المبحث الثالث:وجوب المعرفة التسلسلية لأسماء الأئمة الأطهار (عليهم السَّلام).
. الاستدلال على وجوب المعرفة التسلسلية بثلاثة وجوهٍ:
. (الوجه الأول):
. (الوجه الثاني):
. (الوجه الثالث):
. أسماؤهم لوحدها نجاة من الهلكة، وقد اتخذها النبيّ نوح (عليه السَّلام) حرزًا للسفينة من الغرق والهلاك.
. لولا أسماء أهل الكساء الكاشفة عن ذواتهم المقدسة ما سارت سفينة النبي نوح (عليه السَّلام) وما نجت من الأمواج العاتية والحيتان الكاسرة.
. توسل النبيّ نوح (عليه السَّلام) بأسماء آل الله تعالى عنيت بهم النبيّ وآله الأطهار فهم آل الله تبارك ذكره.
. سرد قصة الشيخ الدكتور الصادقي صاحب تفسير الفرقان التي قصّها علينا.
. عظمة أسمائهم المقدسة تتجلى في الحروف المقطعة في مطلع سورة مريم (عليها السَّلام).
. توسل النبيّ زكريا (عليه السَّلام) بأسماء آل البيت (عليهم السَّلام).
. توسل النبيّ آدم (عليه السَّلام) بأسماء الحجج الأطهار (عليهم السَّلام) فتاب الله تعالى عليه (فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كلّمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).
. إن الله تعالى علّم آدم (عليه السَّلام) الأسماء كلّها ثم عرضهم على الملائكة.
. الخلاف بين المفسرين حول تحديد ماهية الأسماء التي تعلّمها آدم (عليه السَّلام) على رأيين هما:
1 – إن الأسماء هيمسميات الأشياء الكونية بجزئياتها وتفاصيلها.
2 – إنَّ الأسماء هي أسماء الحجج الأطهار بدءًا برسول الله وانتهاءًا بالإمام الحُجَّة القائم (صلَّى الله عليهم أجمعين).
. الرأي الأوّل للمخالفين وبه أخذ ثلة من علماء الإمامية.. والرأي الثاني هو للمشهور من علماء الإمامية.
. إيرادنا الإجمالي على الرأي الأول.
. الإيراد على ابن قيّم الجوزية القائل بأن النبيَّ الأعظم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلَّم) كان مفتيًا يصيب ويخطئ.. !
. الإيراد على ابن قيّم الجوزية المعترض على سعة علوم النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلَّم) ناسبًا له الخطأ في تأبير النخل.
. إكذوبة تأبير النخل.. !
. إكذوبة أن الوحي وافق عمر بن الخطاب ومخطئًا رسول الله محمّد (صلى الله عليه وآله وسلَّم) في عدة تشريعات.. !.
. جمعنا بين الروايات المتعارضة بتحديد ماهية الأسماء التي تعلّمها آدم (عليه السَّلام) على قولين كما أشرنا أعلاه.
. التعارض بدوي، الجمع فيه سهل يسير..
. هل أن ألقابهم الشريفة ملحقة بأسمائهم المقدسة.. ؟.
. هل أن ألقابهم الشريفة جاءت من جهة الرواة تقيةً؟ أو أنها وحيٌ وإلهام من قِبَل الله تعالى؟.
. الإيراد على القائلين بأن بعض ألقابهم وكناهم من قبل الرواة.
. الأصل الأصيل في الأسماء والألقاب والكنى هو البناء على أنها توقيفية.
. ما معنى كونها توقيفية.. ؟.
. ثمة مناسبات وأسباب متعددة في التسمية بالأسماء والكنى والألقاب..
. نموذجان على الوحي في التسمية بالأسماء المقدسة.
1 – النموذج الأول: خاص بالإمامين الحسنين (عليهما السَّلام).
2 – النموذج الثاني:خاص بمولاتنا الصدّيقة المعظمة زينب وأُمّ كلثوم (عليهما السَّلام).
. الصدّيقة المعظمة زينب شبيهة أمها الصدّيقة الكبرى فاطمة البتول (عليهما السَّلام).
. اختلاف المنقولات التاريخية حول شباهة مولاتنا الصديقة زينب (عليها السَّلام) بجدتها الصديقة خديجة (عليها السَّلام) أو أمها أو أُختها.. ؟.
. الجمع بين هذه الروايات المتعارضة.
. من هي مولاتنا المعظمة الصدّيقة أُمّ كلثوم (عليها السَّلام)؟.
. إن الله تبارك اسمه هو من سمّى الصدّيقة الحوراء زينب (عليها السَّلام) بهذا الإسم.
. سميت مولاتنا المطهرة بزينب الكبرى لأمرٍ عظيم لم يخطر على بال فقيه أو متكلّم نحرير..
. في اسم "زينب" إشارات ورموز عرفانية مهمة..
. الخلاصة المنهجية المحكمة..
. المبحث الرابع: (وجوب معرفة الأطهار (عليهم السَّلام) بالصفات).
. أربع صفات كبرى تعيّن الأئمة الأطهار (عليهم السَّلام):
1 – النصّ الإلهي مباشرة تارةً، وبتنصيص السّابق على اللاحق بأمرٍ من الله تعالى.
2 – العصمة في التبليغ وغير التبليغ، قبل التبليغ وحال التبليغ وبعد التبليغ.
3 – العلم بما يحتاج إليه العباد، بل الأعم منه كذلك.
4 – إقامة المعجزات لإثبات مدعاه وكذلك صدور الكرامات.
. وجوب إطاعة المعصومين من الذراري الطيبة من الأئمة الطاهرين (عليهم السَّلام) ويلحقوا بآبائهم في حكم وجوب المعرفة بهم.
. (المبحث الخامس): الإيمان الإجمالي وحدوده.
. الخاتمة
|