هل الإختلاف في الروايات يستلزم إلقاء الخلاف بين الشيعة..؟
بسم الله الرّحمان الرحيم
سماحة المرجع الديني الكبير الفقيه المحقق آية الله الشيخ محمد جميل حمود العاملي دام ظله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أدامكم الله لنصرة الدين والمذهب
سماحة المرجع: سؤالي إليكم مع رجاء الجواب والرد على المسألة التالية:
عن حديث مولانا الامام الصادق عليه السلام وبقية الأئمة سلام الله عليهم تبين أنهم كانوا يلقون الخلاف بين الشبعة والأتباع ليظهروا أمام الفرق الأخرى مختلفين متناقضين مثال ما ورد في الكافي للشيخ الكليني ج ١ - باب اختلاف الحديث الصفحة ٦٥ عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام قال:"سألته عن مسألة فأجابني ثم جاءه رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني ثم جاء رجل آخر فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي فلما خرج الرجلان قلت يا بن رسول الله رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه فقال يا زرارة إن هذا خير لنا وأبقى لنا ولكم ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا ولكان أقل لبقائنا وبقائكم قال ثم قلت لأبي عبد الله عليه السلام شيعتكم لو حملتموهم على الأسنة أو على النار لمضوا وهم يخرجون من عندكم مختلفين قال فأجابني بمثل جواب أبيه..".
محل الاشكال من الرواية: إن مقصد الامام عليه السلام أن يَكْذِب المسلمين (المسلمون) الشيعة في النقل عن أهل البيت عليهم السلام فيكذب أبي بصير (أبو بصير) ويكذب زرارة بن أعين ومؤمن الطاق وغيرهم من الأصحاب الأجلاء والرواة، فتكذيب الشيعة مقصد من مقاصد الامام عليه السلام لأنه لو أراد أن نصدقهم لكانوا على قول واحد في نقلهم عن الامام عليه السلام وهذا الذي حصل من توجيه وفعل الامام بإلقاء الاختلاف بين الشيعة ..!!
كلُّ المخالفين علماء وقضاة ومؤرخين وعوام يكذبون ويردون قول الشيعة في النقل عن أهل البيت عليهم السلام ولا يصدِّقون الشيعة ولا يعتقدون أنهم موالون لأهل البيت وهذا عاد بالضرر على هوية وكيان التشيع..وهذا بحدِّ ذاته خلافُ اعتقاد اللطف في الامامة الالهية..!!
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قيس البارون
****
الموضوع الفقهي: (هل الإختلاف في الروايات يستلزم إلقاء الخلاف بين الشيعة..؟) .
المحتويات
الإختلاف في الروايات له أسبابه ومقتضياته/الأسباب الوجيهة مردُّها أمران هما: الأول:النسخ في الأحكام، والثاني: التقية الحكمية والموضوعية/ الإختلاف في الأجوبة على نحوين: تارة تكون بالقياس إلى العامة العمياء لينجى الشيعة من حكام الجور، وتارةً تكون بالقياس إلى الشيعة أنفسهم/ الشواهد على النحوين من الروايات: التقية والزيادة والنقصان في القابليات/ بيان وإرشاد .
****
بسم الله الرَّحمان الرَّحيم
أخي العزيز الفاضل
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
نتمنى لكم دائماً التوفيق والسداد والصلاح والفلاح والنجاح..أعزكم الله تبارك اسمه وتعالى مجده..
الإجابة على سؤالكم الكريم بالآتي:
إنَّ الاختلاف في الأحاديث له أسباب ثبوتية وجيهة، وأخرى سلبية:
أمَّا الأسباب الوجيهة فمردها أمران:
(الأمر الأول): النسخ من قبل المعصوم عليه السلام، أي إن المعصوم اللاحق ينسخ في بعض الأحيان ما قاله السابق عليه بحسب المقتضيات الموضوعية والشرعية، والنسخ في اللغة: النقل والتحويل، ومنه نسخ الكتاب، ويأتي بمعنى الرفع أيضاً، يقال: نسختِ الشمسُ الظِلَّ: إذا أذهبته وأبطلته.. وفي الاصطلاح: هو رفع أمر ثابتٍ في الشريعة المقدَّسة بارتفاع أمده وزمانه سواء كان ذلك الأمر من الأحكام التكليفية أم الوضعية، أو الخطاب القاطع لحكم خطاب شرعي سابق على وجه الخطاب القاطع لاستمرار ذلك الحكم، أي رفع الحكم الثابت بدليلٍ آخر متأخر، أو هو بيان انتهاء حكم شرعي بدليلٍ شرعي آخر..
وبعبارةٍ توضيحية أُخرى: إنَّ معنى النسخ في الأحكام الشرعية هو أن يرد دليلٌ يدل بظاهره على ثبوت حكم شرعي ثبوتاً دائماً ومستمراً في كلّ وقت، وبعد العمل بهذا الحكم في بعض الأحيان، يأتي دليلٌ آخر يثبت أن ذاك الحكم الذي كنا نقطع بدوامه واستمراره هو في واقعه حكم خاص بأمد معين، وأن مصلحة ما اقتضت العمل به في آن محدود، لا في كلِّ آنٍ، ولكنَّ الحكمةَ الإلهية استدعت إظهاره بمظهر الدوام والاستمرار، تماما ًكما لو رأى الطبيب أن من مصلحة المريض الامتناع عن أكل اللحم أسبوعاً واحداً فقط، وأيضاً رأى من مصلحته أن لا يعلمه بتحديد الوقت، فنهاه عن اللحم على هذا الأساس من غير قيد، وبعد مضي الأسبوع أذن له بأكل اللحم، وعلى هذا ينحصر معنى النسخ في محو ما ظهر من إرادة الدوام، لا محو الإرادة الواقعية التي تستلزم البداء والجهل .
وقد عقد الكليني في الكافي باباً تحت عنوان ( إختلاف الحديث) من كتاب فضل العلم:ففي صحيحة محمد بن مسلم، عن الإمام المعظَّم أبي عبد الله صلَّى الله عليه وآله قال: قلت له: ما بال أقوام يروون عن فلان وفلان عن رسول الله صلى الله عليه وآله لا يتهمون بالكذب فيجئ منكم خلافه ؟ قال: إن الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن.
وفي الصحيح عن منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد الله صلى الله عليه وأهل بيته الطاهرين ما بالي أسألك عن المسألة فتجيبني فيها بالجواب، ثمَّ يجيئك غيري فتجيبه فيها بجواب آخر ؟ فقال: إنَّا نجيب الناس على الزيادة والنقصان قال: قلت فأخبرني عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله صدقوا على محمَّد صلَّى الله عليه وآله أم كذبوا ؟ فقال عليه السلام: بل صدقوا، قال: قلت: فما بالهم اختلفوا ؟ فقال: أما تعلم أن الرجل كان يأتي رسول الله صلى الله عليه وآله فيسأله عن المسألة فيجيبه فيها بالجواب ثمَّ يجيبه بعد ذلك بما ينسخ ذلك الجواب فنسخت الأحاديث بعضها بعضاً ".
تنبيه: كان منصور قد سأل عن حال الأصحاب المؤمنين الحافظين لخطابه ولم يقصد بسؤاله الأصحاب المنافقين فقد كذبوا عليه، من هنا قال منصور: (فما بالهم اختلفوا ؟ ) أي اختلفوا في الرواية عنه، ذلك لأنّ ما رواه بعضهم قد ينافي ما رواه الآخر، فقال: (أما تعلم أنّ الرجل كان يأتي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيسأله عن المسألة فيجيبه فيها بالجواب ثمّ يجيبه بعد ذلك ما ينسخ ذلك الجواب فنسخت الأحاديث بعضها بعضاً ؟ ) ولا علم للسائل بالنسخ ولأجل هذا تمسّك به وتصدّى لروايته ونقله..
(الأمر الثاني): التقية الحكمية والموضوعية حرصاً على الشيعة من الهلكة والضرر.. وفي الصحيح عن زرارة بن أعين، عن الإمام المعظَّم أبي جعفر عليه السلام قال زرارة: سألته عن مسألة فأجابني، ثمَّ جاءه رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني ثمَّ جاءه آخر فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان قلت: يا بن رسول الله رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كلَّ واحدٍ منهما بغير ما أجبت به صاحبه ؟
فقال: يا زرارة إن هذا خيرٌ لنا ولكم وأبقى لنا ولكم، ولو اجتمعتم على أمرٍ واحد لصدقكم الناس علينا ويكون ( أو ولكان ) أقل لبقائنا وبقائكم، قال: ثمَّ قلت لأبي عبد الله عليه السلام: شيعتكم لو حملتموهم على الأسنة أو على النار لمضوا وهم يخرجون من عندكم مختلفين قال: فأجابني بمثل جواب أبيه.
وليعلم إخواننا العلماء والمؤمنين: أن هذا الاختلاف للتقية والاتقاء عليهم كما تقدَّم في صحيحة زرارة وما سوف يأتي في اختلاف الروايات في الأوقات نظير ما ورد في صحيحة المعلى بن خنيس وموثقة حسين بن المختار.. فانظروا إلى صراحة خبر زرارة في اختلاف أجوبته عليه السلام في مسألة واحدة في مجلس واحد وتعجب زرارة من جوابه، ولو كان الاختلاف إنما وقع لموافقة العامة لكفى جواب واحد بما هم عليه، ولما تعجب زرارة من ذلك لعلمه بفتواهم عليهم السلام أحيانا بما يوافق العامة تقية، ولعلَّ السر في ذلك أن الشيعة إذا خرجوا من عندهم مختلفين كلّ واحد منهم ينقل عن إمامه خلاف ما ينقله الآخر، سُخّفَ مذهبُهم في نظر العامة، وكذبوهم في نقلهم ونسبوهم إلى الجهل وانعدام الدين، وهانوا في نظرهم، بخلاف ما إذا اتفقت كلمتهم وتعاضدت مقالتهم، فإنهم يصدقونهم ويشتد بغضهم لهم ولإمامهم ومذهبهم، ويصير ذلك سبباً لثوران العداوة، وإلى ذلك يشير قوله عليه السلام: (ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا).
والحاصل: إن الإختلاف في الأجوبة على نحوين: تارة تكون بالقياس إلى العامة العمياء لينجى الشيعة من حكام الجور، وتارةً تكون بالقياس إلى الشيعة أنفسهم، فالأجوبة على النحو الأول صادرة تقيةً، بينما الصادرة بالنحو الثاني ليست على نحو التقية، وإنما هي من باب الزيادة والنقصان في القابليات العقلية والنفسية والروحية والقرب منهم عليهم السلام، وهو عين ما جاء في رواية منصور بن حازم المتقدِّمة قال: قلت لأبي عبد الله صلى الله عليه وآله ما بالي أسألك عن المسألة فتجيبني فيها بالجواب، ثمَّ يجيئك غير [لعله تصحيف: غيري] فتجيبه فيها بجواب آخر ؟ فقال: إنَّا نجيب الناس على الزيادة والنقصان..". ويؤيده قوله تعالى في سورة الرعد آية 17{ أنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ } أي أن سيلان الوادي بالماء بحسب حجمها وسعتها أو ضيقها..فلا يحتمل الوادي الماء فوق طاقته..! والمعنى الباطني للآية الكريمة هو إنّ المراد بالماء هو العلم، وبالأودية قلوب العباد، وبإنزاله إفاضته على القلوب، وبقوله فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها أنّ كلّ قلب منها يصل إليه مقدار ما يستحقّه ويقبله؛ ويؤيده ما جاء في الأخبار الشريفة الأُخرى نظير ما قاله إمامنا المعظَّم أبو عبد الله جعفر الصادق عليه السلام لشعيب الحدّاد "حديثنا صعبٌ مستصعبٌ، لا يحتمله إلَّا مَلَك مقرَّب، أو نبيٌّ مرسل، أو عبدٌ امتحن الله قلبه للإيمان.."، فمعارفهم الشريفة وأسرارهم العالية الرفيعة لا يستوعبها كلّ شارد ووارد بل لا يتقبلها إلا المخلصون من شيعتهم..
وبعبارةٍ أُخرى:إن الزيادة والنقصان في القول كماً وكيفاً على حسب تفاوت أحوال الناس في الفهم والاحتمال، والمراد بنسخ الأحاديث بعضها بعضاً أن حديث رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله وسلّم ربما يُنسَخ ولا يعلم الراوي نسخه فيرويه ظناً منه بقاء حكمه من غير كذب فيجئ غيره بالناسخ فيقع الاختلاف..
ومن ذلك أيضاً ما رواه الشيخ الطوسي في التهذيب عن سالم أبي خديجة عن الإمام المعظَّم أبي عبد الله عليه السلام قال:(سأله إنسان وأنا حاضر فقال: ربما دخلت المسجد وبعض أصحابنا يصلي العصر، وبعضهم يصلي الظهر ؟ فقال: أنا أمرتهم بهذا، لو صلوا على وقت واحد لعرفوا فأخذ برقابهم ) وهو أيضا صريح في المطلوب.
وفي الصحيح عن أبي عبيدة الحذاء، عن الإمام المعظّم أبي جعفر عليه السلام قال: قال لي: يا زياد ما تقول: لو أفتينا رجلاً ممن يتولانا بشيء من التقية ؟ قال: قلت له: أنت أعلم جُعلت فداك، قال: "إن أخذ به فهو خير له وأعظم أجراً " .
توضيح: أبو عبيدة الحذّاء هو كوفي واسمه زياد بن عيسى كان ثقةً صحيحاً وثبتاً ومتقناً في حديثه ورواياته كما صرّح بذلك أصحاب التراجم، وكان حسن المنزلة عند آل محمّد ( عليهم السلام ) وقد صحب الإمام أبا جعفر عليه السلام إلى مكّة، وكان له كتاب يرويه عنه وعن عليّ بن رئاب كما صرّح به النجاشي فحال باطنه وحسن اعتقاده وانقياده كانت معلومة له عليه السلام فيستبعد أن يكون الغرض من الاستفهام استعلام حال باطنه وحسن اعتقاده بل الغرض منه استعلام أنّه هل يعلم حكم ما يترتّب على العمل بالتقيّة وعلى تركه أم لا ؟ فلمّا أظهر الرجل عدم علمه بذلك وفوّض العلم به إليه عليه السلام بيّن الحكم له وإنّما لم يعلّمه أوّلاً بدون سؤال لأنّ التعليم بعد العلم بأنّ المخاطب لا يعلم، أثبت وأنفع من التعليم ابتداءً .
وفي الصحيح عن نصر الخثعمي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من عرف إنَّا لا نقول إلَّا حقَّاً فليكتف بما يعلم منا، فإن سمع منا خلاف ما يعلم فليعلم أن ذلك دفاع منا عنه".
المراد من قوله عليه السلام: "دفاع منا " أي أننا ندفع عنه وعن أمثاله الفتنة والضرر، وكأنّه يقول لنا: لا يريبكم في أمرنا اختلافنا في الأجوبة فإنما ذلك للمصلحة، فيرجى التأمل.
وفي الصحيح عن المعلى بن خنيس قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام إذا جاء حديث عن أولكم، وحديث عن آخركم فبأيهما نأخذ ؟ قال: خذوا به حتى يبلغكم عن الحي، فإن بلغكم عن الحي فخذوا بقوله، قال: ثمَّ قال أبو عبد الله عليه السلام: إنَّا والله لا ندخلكم إلا فيما يسعكم، وفي حديث آخر خذوا بالأحدث.
قوله عليه السلام (خذوا بالأحدث) أي بقولنا الأخير..هذا في حال ثبت لدى الفقيه في عصر الغيبة وجود رواية، ثبُتَ كونها صادرة عن المعصوم عليه السلام وإلَّا فلا يصح الأخذ كيفما كان وبأيّ طريقة كانت..فتدبر.
وفي موثقة الحسين بن المختار، عن بعض أصحابنا عن الإمام المعظَّم أبي عبد الله عليه السلام قال: أرأيتك لو حدثتك بحديث العام ، ثمَّ جئتني من قابل فحدثتك بخلافه بأيهما كنت تأخذ ؟ قال: قلت كنت آخذ بالأخير فقال لي: رحمك الله .
وجه الحكمة في الأخذ بالأخير: هو أن بعض الأزمنة يقتضي الحكم بالتقية للخوف الذي فيه، وبعضها لا يقتضيه لعدمه، فالإمام عليه السّلام في كل زمان يحكم بما يراه المصلحة في ذلك الزمان فليس لأحد أن يأخذ في العام بما حكم به في عام أول وهذا معنى قوله عليه السّلام في الحديث الآتي إنا واللَّه لا ندخلكم إلا فيما يسعكم..وليست الأحاديث المتعارضة باختلافها محمولة على الوجه المتقدم وذلك لأن بعض الأحاديث لم تصدر عن تقية بل لعلَّها كانت ملفقة عليهم من قبل الدساسين ليوقعوا الشيعة في الشك والحيرة..!
وفي الصحيح أيضاً، عن موسى بن أشيم قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فسأله رجل عن آية من كتاب الله عز وجل فأخبره بها، ثمَّ دخل عليه داخل فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبر الأول فدخلني من ذلك ما شاء الله حتى كان ( كاد - ظ ) قلبي يشرَّح بالسكاكين فقلت في نفسي: تركت أبا قتادة في الشام لا يخطئ في الواو وشبهه وجئت إلى هذا يخطئ هذا الخطأ كله، فبينا أنا كذلك، إذا دخل عليه آخر فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبرني وأخبر صاحبي فسكنت نفسي فعلمت أن ذلك منه تقية، قال: ثمَّ التفت إليَّ، وقال لي: يا بن أشيم إن الله عزَّ وجلَّ فوَّض إلى سليمان بن داود عليهما السلام فقال:( هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ) وفوَّض إلى نبيه صلَّى الله عليه وآله فقال: ( ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) فما فوّض إلى رسول الله صلَّى الله عليه وآله فقد فوَّضه إلينا ".
وروى الشيخ في كتاب العدة مرسلاً عن الإمام المعظَّم الصادق عليه السلام: أنه سئل عن اختلاف أصحابنا في المواقيت ؟ فقال: أنا خالفت بينهم.
توضيح: المراد من المواقيت هو أوقات الصلوات كالظهرين والعشائين ويدل عليه ما ما رواه الشيخ الطوسي في التهذيب في صحيحة سالم أبي خديجة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ( سأله إنسان وأنا حاضر فقال: ربما دخلت المسجد وبعض أصحابنا يصلي العصر، وبعضهم يصلي الظهر ؟ فقال: أنا أمرتهم بهذا، لو صلوا على وقت واحد لعرفوا فأخذ برقابهم ) وهو صريح في المطلوب، حيث وزّع الأدوار بين أصحابه، فمنهم من أمره بالجمع بين الصلاتين، ومنهم من أمره بالتفريق، ليظهر للمخالفين أن الجمع والتفريق مطلوبان على وجه التخيير..كلُّ ذلك تقيةً، ويؤيده ما رواه الصدوق في كتاب معاني الأخبار عن الخزاز عمَّن حدَّثه عن الإمام المعظَّم أبي الحسن ( عليه السلام ) قال: ( اختلاف أصحابي لكم رحمة وقال ( عليه السلام ): إذا كان ذلك جمعتكم على أمر واحد )، وسئل عن اختلاف أصحابنا فقال عليه السلام: ( أنا فعلت ذلك بكم ولو اجتمعتم على أمر واحد لأخذ برقابكم ) .
ويؤيده ما رواه الطبرسي في الإحتجاج بسنده عن حريز عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال: قلت له: إنه ليس شئ أشد عليّ من اختلاف أصحابنا ؟ قال ذلك مِنْ قِبَلي.
بيان وإرشاد:
لا بُدَّ من بيان فلسفة التفويض من خلال إلقائهم عليهم السلام الخلاف تقيةً، ويظهر من هذه النصوص وأمثالها أنّ أحكام التقيّة لا تنافي اليقين وعدم إتهام الرواة الثقات بسبب نقلهم لها فنقول:
إن المراد بالتفويض هنا هو بيان الحكم الواقعي في مواضعه وحكم التقيّة في محلَّه، والسكوت فيما لم يروا المصلحة في بيانه، ولا ينافيه تعدّد الأجوبة لأنّ من الأشياء أشياء موسّعة تجري على وجوه كثيرة، وإنّ لها عند الأئمّة الطيبين الطاهرين المطهرين (صلوات الله عليهم أجمعين) سبعين وجهاً، كما رواه في ( المحاسن ) عن عبد الأعلى بن أعْيَن، قال:سأل عليُّ بن حنظلة أبا عبد الله عليه السلام عن مسألة وأنا حاضر فأجابه فيها، فقال له عليٌّ: فإنْ كان كذا وكذا ؟ فأجابه بوجه آخر، حتى أجابه بأربعة أوجه، إلى أنْ قال أبو عبد الله عليه السلام: "إنّ من الأشياء أشياء مضيّقة ليس تجري إلَّا على وجهٍ واحد.. إلى أنْ قال:" ومن الأشياء أشياء موسّعة، تجري على وجوه كثيرة، وهذا منها، والله إنّ له عندي لسبعين وجهاً ".
وتلك الأجوبة يحتمل أنْ يكون أكثرها أو بعضها من باب التقيّة وهو القدر المتيقن، لعلمهم بأنّ السائل قد يضطر إليها، وأنْ تكون كلَّها حكم الله في الواقع، إذ ما من شيء إلَّا وله ذوات وصفات متعدّدة متغايرة تترتّب عليها أحكام مختلفة، فلو سُئِل العالم النحرير عنه مراراً وأجاب في كلّ مرّة بجواب مخالف للجواب السابق كانت الأجوبة كلّها صادقة في نفس الأمر وإن لم يعلم السائل وجه صحّتها ولا يقدح عدم علمه في صحّتها لأنّ الواجب عليه بعد معرفة علوّ شأن المسؤول وتبحّره في العلوم والمعارف هو التسليم واعتقاد أنّها صدرت منه لمصلحة قطعاً، فلو أُجيب في كلّ فرع بجواب مخالف للسابق كانت كلَّها صادقة في نفس الأمر وإن لم يعلم السائل وجه صحّتها، وهم العالمون بما سيحدث لرعيّتهم من المصالح والمفاسد .
والحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على سادة الكائنات والمرسلين والملائكة المقربين رسول الله وأهل بيته الطيبين الطاهرين..
عبد الإمام الحُجَّة القائم المهدي عليه السلام
وكلبهم الباسط ذراعيه بالوصيد
غريب الديار محمَّد جميل حمُّود العاملي
بيروت/ بتاريخ 10 جمادى الثانية 1447 هجري