كيف يطلع أهل البيت عليهم السلام على العوالم الملكوتية وهم بشر..؟
السلام عليكم سماحة المرجع الديني آية الله الفقيه المحقق الشيخ محمد جميل حمود العاملي دام ظله وحفظه الله.
*السؤال : كيف اطلّع أئمة أهل البيت عليهم السلام ، وهم بشرٌ في عالم الفناء ، على عالم البقاء والوحي والملكوت، مع أنّهما عالمان متباينان تباين الفناء والبقاء؟!.*
الأقل الاحقر/ أبوحسن
***
الموضوع العقائدي:( كيف يطلع أهل البيت عليهم السلام على العوالم الملكوتية وهم بشر..؟).
بسم الله جلّت عظمته
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الجواب: إن اطلاع أهل بيت العصمة والطهارة صلى الله عليهم أجمعين على عوالم البقاء كالملكوت واللاهوت والجبروت من جهتين هما:
(الجهة الاولى):كونهم من سنخ هاتيك العوالم القدسية بل إن تلك العوالم تنورت بأنوارهم وأشرقت من سرائرهم وأبدانهم على ذرات الملك والملكوت، فلما كانت تلك العوالم من سنخ وجوداتهم ورشح من فيوضاتهم فلا غرو أنهم يطلعون عليها وكأنهم يطلعون على ما منهم انبثق ومن طينتهم انفتق..فالكلي المنطقي يستوعب جزئياته وليس العكس، أي أن الجزئي لا يحيط بالكلي، بينما الكلي يحيط بعناصره وذراته وجزئياته...فالوجود نظير المرآة يرى فيها الرائي ذاته بالرغم من صغر المرآة في مقابل الواقف أمام المرآة التي لا تستوعب سوى الصورة الظاهرية لمن يقف امامها ولا تعكس حقيقته الكلية ولا ذراته الوجودية..فالكون الفسيح مرآة صغيرة بالقياس إلى ذواتهم النورانية التي لا يحدها إلا الله تعالى ذو الجلال والإكرام..فالتباين غير حاصل ما دامت المخلوقات النورانية رشح فيضهم..نعم ثمة تباين بينهم وبين المخلوقات المنحوسة وهو لا يضر إذ إن العالي مشرف على الداني وليس العكس فتأمل.
والخلاصة: إن أهل البيت عليهم السلام وإن عاشوا في عالم الفناء ولكنهم بالأصل من عالم النور الاقدس خلقهم من نوره الابهج فلا تباين بينهم وبين تلك العوالم الملكوتية...
(الجهة الثانية):إنهم صلوات ربي عليهم أول خلق الله تعالى ولأجلهم خلق الكائنات، فهم العلّة الغائية في خلق الكون بأسره أي أن الغاية من خلق الكون هي أن الله تعالى أحبّ أن يُعرف فخلق الخلقَ ليعرفوه( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) اي ليعرفوه، إذ لا تكون العبادة إلا من خلال معرفة الله تعالى بصفاته، والمعرّف على الذات الإلهية لا بد أن يكون بمستوىً عالٍ في الكمال والجمال والجلال..وليس ثمة مخلوقات أكمل وأجمل وأجّل منهم باتفاق النصوص الحكمية والشرعية، فهم المعلّمون للملائكة والأنبياء والأوصياء والاولياء عليهم السلام، والمعلّم يجب أن يكون مطلعاً على كلّ جزئيات المواد التي يعلّمها ويلقنها لتلامذته وإلا فلا يسمّى معلّماً..(إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ) (12) وقال الله تعالى في سورة الجن:( عالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27)) فقد جاء في تفسيرها أن آل البيت عليهم السلام هم ممن ارتضاهم للإطلاع على الغيوب والضمائر وكل شيء مستور..وكما جاء في بعض الأخبار عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "إن الدنيا لتمثل للإمام في مثل فلقة الجوز، فلا يعزب عنه منها شيء، وإنه ليتناولها من أطرافها كما يتناول أحدكم من فوق مائدته ما يشاء فلا يعزب عنه منها شيء".
عبارة "إن الدنيا ممثلة للإمام كفلقت الجوزة"، وتعني إحاطة الإمام وسلطته المعرفية والتكوينية بالدنيا حتى كأنها في كفه كفلقة الجوزة. وهذا يدل على سعة الإحاطة والسيطرة عندهم بحيث يشرفون على العالم بقدرة الله تعالى...وهذا التمثيل والتقريب يعني أن الدنيا شُبّهت بالجوزة في الكف لبيان مدى صغرها وهوانها وسهولة رؤيتها وإدارتها بالنسبة لوليّ الله المعصوم والتشبيه واقعي حقيقي لا مجازي...ويؤكده ما جاء في زيارة السرداب( السلام على ناظر شجرة طوبى وسدرة المنتهى) وقد أسهبنا في شرحها في كتابنا النفيس(هداية الالباب في شرح زيارة السرداب) والكتاب متوفر في موقعنا( مركز العترة الطاهرة للدراسات والبحوث) وراجعوا أيضاً حول موضوع إحاطتهم عليهم السلام بالكائنات كتابنا النفيس(شبهة إلقاء المعصوم عليه السلام في التهلكة ودحضها:ح٢ ص ٩٦) الطبعة الالكترونية.
هذا باختصار ما أمكننا الإجابة عنه بسبب ضيق وقتنا وتشتت بالنا وتشريدنا من ديارنا بسبب الحرب المدمرة المهلكة للحرث والنسل...صبر جميل وخطب جليل ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.
غريب الديار كلبهم باسط ذراعيه بالوصيد محمَّد جميل حمُّود العامِلي/ بيروت/ بتاريخ٢٤ ربيع الاول ١٤٤٨ هجري قمري.